قوله - عز وجل -: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا(54) .
جدله أن يقوله: ليس من الأمر شيء إنما أنا مدبر،
والحول والقوة لله ليست إليَّ، وشبه هذا دون توبة، والشفاء هذا من المرض الرغبة
إلى الله - جل ذكره - والعزم على ما أمر به، فإنما يأتيه من العون والعصمة بقدر ما
أوغل في العزم والشروع في تنفيذ المأمور به: فهو العزيز لا ينال ما عنده إلا
بالتعبد له والتضرع، وإعمال النفس في طلب مرضاته.
نظم بذلك قوله:(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا
قَدَّمَتْ يَدَاهُ)من سننه - تبارك وتعالى - ألا يوجب العقوبة بعد البيان
إلا بعد الإعراض عن المبين له، لكن عفوه أوسع من ذنوب عباده، لذلك أتبع
ذلك قوله:(وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ
الْعَذَابَ)ومن عفوه ومغفرته ما هو للدنيا وما هو للآخرة وما هو
لهما معًا، وهذا الخطاب معني به الظالمون؛ لذلك قال - عز من قائل: (لَهُمْ مَوْعِدٌ
لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (58) .
نظم بذلك ما هو في معناه قوله: (وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا
لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (59) . أحال السامعين بخطابه هذا على التسيار في
الأرض والعبرة، ثم النظر لأنفسهم والأخذ لها بالوثيقة. انتهى انتهى {تفسير ابن برجان. 3/ 453 - 455} ...