(وَيَسْأَلونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً) (الكهف: 83)
قوله تعالى: (وَيَسْأَلونَكَ) سواء من يهود أو من قريش أو من غيرهم.
(عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ) أي: صاحب القرنين، وكان له ذكر في التاريخ، وقد قال اليهود لقريش: اسألوا محمداً عن هذا الرجل؛ فإن أخبركم عنه فهو نبي، ولماذا سمي بذي القرنين؟ قيل: معناه ذي الملك الواسع من المشرق والمغرب، فإن المشرق قرن والمغرب قرن، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عن المشرق:"حيث يطلع قرن الشيطان"، فيكون هذا كناية عن سعة ملكه، وقيل: ذي القرنين لقوته، ولذلك يعرف أن الفحل من الضأن الذي له قرون يكون أشد وأقوى، وقيل: لأنه كان على رأسه قرنان كتاج الملوك، والحقيقة أن القرآن العظيم لم يبين سبب تسميته بذي القرنين، لكن أقرب ما يكون للقرآن العظيم"المالك للمشرق والمغرب"، وهو مناسب تماماً؛ حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم عن الشمس إنها:"تطلع بين قرني شيطان".
(قُل) لمن سألك: (سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً) وليس كل ذكره بل ذكراً منه، ثم قصَّ الله القصة:
(إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً) (الكهف: 84)
قوله تعالى: (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ) وذلك بثبوت ملكه وسهولة سيره وقوته.
(وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً) أي شيئاً يتوصل به إلى مقصوده، وقوله: (من كل شيء) لا يعم كل شيء؛ لكن المراد من كل شيء يحتاج إليه في قوة السلطان، والتمكين في الأرض، والدليل على هذا أن"كل شيء"بحسب ما تضاف إليه، فإن الهدهد قال لسليمان عليه السلام عن ملكة اليمن سبأ: (وأوتيت من كل شيء) (النمل: 23) ، ومعلوم أنها لم تؤت ملك السموات والأرض، لكن من كل شيء يكون به تمام الملك، كذلك قال الله تعالى عن ريح عاد: (تدمر كل شيء) (الأحقاف: 25) ، ومعلوم أنها ما دَمَّرت كل شيء، فالمساكن ما دُمِّرت كما قال تعالى: (فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ) (الاحقاف: الآية 25)
(فَأَتْبَعَ سَبَباً) (الكهف: 85)