{قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ... (110) } [فَصْلٌ: أَعْمَالُ الْعِبَادِ]
[أَعْمَالُ الْعِبَادِ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ الْمَقْبُولُ مِنْهَا نَوْعٌ وَاحِدٌ]
وَقَوْلُهُ:"فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنْ الْعِبَادِ إلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا"
وَالْأَعْمَالُ أَرْبَعَةٌ: وَاحِدٌ مَقْبُولٌ، وَثَلَاثَةٌ مَرْدُودَةٌ؛ فَالْمَقْبُولُ مَا كَانَ لِلَّهِ خَالِصًا وَلِلسُّنَّةِ مُوَافِقًا، وَالْمَرْدُودُ مَا فُقِدَ مِنْهُ الْوَصْفَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَمَلَ الْمَقْبُولَ هُوَ مَا أَحَبَّهُ اللَّهُ وَرَضِيَهُ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ إنَّمَا يُحِبُّ مَا أَمَرَ بِهِ وَمَا عُمِلَ لِوَجْهِهِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ الْأَعْمَالِ فَإِنَّهُ لَا يُحِبُّهَا، بَلْ يَمْقُتُهَا وَيَمْقُتُ أَهْلَهَا، قَالَ تَعَالَى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا} [الملك: 2] .
قَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: هُوَ أَخْلُصُ الْعَمَلِ وَأَصْوَبُهُ، فَسُئِلَ عَنْ مَعْنَى ذَلِكَ، فَقَالَ: إنَّ الْعَمَلَ إذَا كَانَ خَالِصًا وَلَمْ يَكُنْ صَوَابًا لَمْ يُقْبَلْ، وَإِذَا كَانَ صَوَابًا وَلَمْ يَكُنْ خَالِصًا لَمْ يُقْبَلْ، حَتَّى يَكُونَ خَالِصًا صَوَابًا فَالْخَالِصُ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ، وَالصَّوَابُ أَنْ يَكُونَ عَلَى السُّنَّةِ، ثُمَّ قَرَأَ قَوْلَهُ: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] .
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ بَانَ بِهَذَا أَنَّ الْعَمَلَ لِغَيْرِ اللَّهِ مَرْدُودٌ غَيْرُ مَقْبُولٍ، وَالْعَمَلَ لِلَّهِ وَحْدَهُ مَقْبُولٌ؛ فَبَقِيَ قِسْمٌ آخَرُ وَهُوَ أَنْ يَعْمَلَ الْعَمَلَ لِلَّهِ وَلِغَيْرِهِ، فَلَا يَكُونُ لِلَّهِ مَحْضًا وَلَا لِلنَّاسِ مَحْضًا، فَمَا حُكْمُ هَذَا الْقِسْمِ؟
هَلْ يَبْطُلُ الْعَمَلُ كُلُّهُ أَمْ يَبْطُلُ مَا كَانَ لِغَيْرِ اللَّهِ وَيَصِحُّ مَا كَانَ لِلَّهِ؟
قِيلَ: هَذَا الْقِسْمُ تَحْتَهُ أَنْوَاعٌ ثَلَاثَةٌ: