ومن لطائف ونكات تفسير حدائق الروح والريحان:
سورة مريم
{كهيعص (1) }
قال قتادة، فإن قيل لِمَ قالوا: ها يا، ولم يقولوا في الكاف: كما، وفي العين: عا، وفي الصاد: صا، لتتفق المعاني كما اتفقت العلل؟
فقد أجاب عنه ابن الأنباري فقال: حروف المعجم التسعة والعشرون تجري مجرى الرسالة والخطبة، فيستقبحون فيها اتفاق الألفاظ، واستواء الأوزان، كما يستقبحون ذلك في خطبهم ورسائلهم، فيغيِّرون بعض الكلم ليختلف الوزن وتتغير المباني، فيكون ذلك أعذب على الألسن، وأحلى في الأسماع.
وعبارةُ"المراغي"هنا: {كهيعص (1) } . تقدم الكلام في المراد من أوائل السور، وأن المختار أن المقصود بها التنبيه، كحروف التنبيه التي تقع أول الكلام، نحو: ألا ويا، وغيرهما، وتقرأ بأسمائها فيقال: {كاف ها يا عين صاد} . انتهى.
{إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3) }
فإِن قلت: شرط النداء الجهر، فكيف يكون خفيًا؟
قلت: دعا في الصلاة فأخفاه، قال بعضهم: النداء وإن كان بمعنى الصوت، لكن الصوت قد يتصف بالضعف، ويقال: صوت خفيٌّ وهو الهمس، فكذا النداء، والوجه في عبارة النداء الإشارة إلى شدة الإقبال والتوجه في الأمر المتوجه إليه، كما هو شأن الأنبياء ومن له بهم أسوة من كُمَّلِ الأولياء.
والمعنى: أي: مما نقص عليك يا محمد، ذكر رحمة ربك عبده زكريا، حين دعا ربه دعاءً خفيًا مستورًا عن أعين الناس، وإنما أخفى دعاءه، لأنه أدل على الإخلاص، وأبعد من الرياء، وأقرب إلى الخلاص من لائمة الناس، على طلب الولد وقت الكبر والشيخوخة.
{يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6) }
فإن قلت: وقد وصف الوليَّ بالوراثة ولم يستجب له في ذلك، فإنَّ يحيى خرج من الدنيا قبل زكريا على ما هو المشهور؟
قلتُ: الأنبياء وإن كانوا مستجابي الدعوة، لكنهم ليسوا كذلك في جميع الدعوات، حسبما تقتضيه المشيئة الإلهية المبنية على الحكم البالغة، ألا ترى إلى دعوة إبراهيم - عليه السلام - في حق أبيه وإلى دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث قال:"وسألته أن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها".
وقد كان من قضائه تعالى: أن يهبه يحيى نبيًا مرضيًا ولا يرثه، فاستُجيب دعاؤه في الأول دون الثاني.