وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ) .
قال الحسن: هو صلة قوله: (ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا) أي: اذكر رحمة ربك مريم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: واذكر نبأ مريم وقصتها في الكتاب.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا) ، أي: نحو المشرق.
ثم يحتمل قوله: (إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا) إذا بلغت مبلغ النساء فارقت أهلها، وانتبذت منهم؛ لئلا يقع بصر غير ذي الرحم المحرم عليها، وألا يراها أحد، ولا يصلح النظر إليها.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (مَكَانًا شَرْقِيًّا) أي: جلست في المشرقة؛ لأنه كان في الشتاء.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا(17)
قَالَ بَعْضُهُمْ: احتجبت من دونهم بالغيبة عنهم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: أخذت من دونهم حجابًا، أي: سترًا.
وقال مقاتل: اتخذت من دونهم الجبل حجابًا وسترًا، أي: جعلت الجبل بينها وبين أهلها، فلم يرها أحد منهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا) :
قال أبي بن كعب: هو روح عيسى، أرسله اللَّه إلى مريم في صورة بشر، (فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا) .
وقال غيره من أهل التأويل: (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا) : جبريل، وقد سمى الله جبريل: روحًا في غير آي من القرآن: (رُوحُ الْقُدُسِ) ، وغيره.
(فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا) أي: لم يكن به أثر غير البشر.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (بَشَرًا سَوِيًّا) لا عيب فيه ولا نقصان، بل كان سو، لا صحيحًا كاملًا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا(18)