فَإِنْ قِيلَ: كيف تعوذت بالرحمن إن كان تقيًّا، وإنَّمَا يتعوذ بالرحمن من الفاجر والفاسق؟
قال الحسن؛ قوله: (إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا) مفصول من قوله: (إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ) ، فيكون على الابتداء، كأنها قالت: (إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا) لا ينالني منك سوء ولا يمسني شر.
ويحتمل قوله: (إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا) أي: ما كنت تقيا، أي: حيث دخلت عليَّ من غير استئذان منك ولا استئمار ما كنت تَقِيًّا، ويحتمل قوله: (إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا) أي: وقد كنت تقيًّا، فعلى هذا التأويل كأنه دخل عليها على صورة بشر عرفته بالتقى والصلاح، فكأنها قالت: قد كنت عرفتك بالتقى والصلاح فكيف دخلت عليَّ بلا إذن ولا أمر؟!
وقد يجوز أن يستعمل (إن) مكان (ما) ومكان (قد) ، وهو في القرآن كثير، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا(19) هو على
الإضمار، كأنه قال: (إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ) بالقول بأن أهب لك غلامًا زَكِيًّا، أي: أرسلني إليك بهذا القول وهو قوله: (لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا) .
وفي حرف ابن مسعود: (إنما أنا رسول ربك ليهب لك غلامًا زَكِيًّا) .
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (زَكِيًّا) أي: صالحًا، طاهرًا عن جميع الشرور.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا(20) أي: قالت: لم يمسسنى بشر، يعلم أنه لم يمسها بشر لا تقي ولا غيره، لكن كأنها قالت: لم يمسسني بشر نكاحا ولم أك بغيًّا، فمن أين يكون لي ولد؟ كأنها لم تعرف الولد إلا بسبب؛ لذلك قالت: (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ) .
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ ...(21) أي: أخلق بسبب وبلا سبب.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ) أي: خلق الشيء بسبب وبغير سبب هَيِّنٌ عَلَيَّ.