فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 279259 من 466147

(فصل آخر: من الأسرار البلاغية في السورة الكريمة)

سورة مريم

{وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا ... (4) }

حيث استعير شواظ النار للشيب بجامع البياض والإنارة، ثم حُذف المستعار منه أي: المشبه به ورُمز له بلازم من لوازمه، وهو الاشتعال على طريق الاستعارة المكنية.

وبذا يكون قد شبه الشيب بشواظ النار بجامع البياض والإنارة في كلٍّ، ثم حذف المشبه به على سبيل الاستعارة المكنية.

ويمكن أن يكون وجه الشبه في استعارة المحسوس بالمحسوس عقليًّا، كما في الآية السابقة، إذا جعلت الاستعارة تبعية في لفظ {اشْتَعَلَ} ، ونقول فيها: استعير الاشتعال انتشار الشيب في الشعر بجامع سرعة الانتشار مع تعذر التلافي، الطرفان حسيان والجامع عقلي.

وانظر إلى قول الله تعالى: {رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} (مريم: 4) تجد أن الآية أسندت: {اشْتَعَلَ} إلى: {الرَّأْس} إسنادًا مجازيًّا؛ لعلاقة المكانية، إذ الرأس مكان للاشتعال، والذي يفعل الاشتعال حقيقة إنما هو الشعر، ولفظ المسند: {اشْتَعَلَ} مجاز لغوي؛ إذ المراد به ظهور شيب الرأس، فاستعير الاشتعال للظهور، وتفيد هذه الاستعارة عموم الشيء وإحاطته بجميع الرأس، كما تفيد المفاجأة في ظهور الشيء، فهو اشتعال وليس ظهورًا، وتفيد أيضًا حب زكريا - عليه السلام - لهذا الشيء حيث أحس به إحساسًا مشرقًا مضيئًا، الذين يصورون ظهور الشيب بالرأس تصويرًا حزينًا مؤلمًا، إذ يكون سببًا في فراق الأحبة وابتعادهن.

انظر مثلًا إلى قول القائل:

لا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكَى

وإلى قول الآخر:

ل هـ منظر في العين أبيض ناصع ... ولكنه في القلب أسود أسفع

والأسفع: الأبيض الناصع شديد البياض، والأسود الأسفع: هو الأسود المائل إلى حمرة، وقد استعير الأسود الأسفع لما يحدثه الشيب من الهم والحزن، فإنك تجد أنهم يشعرون بالشيب شعورًا حزينًا كئيبًا؛ لأنه يؤذن بتولي الشباب ويعلن عن فراق الحبيبات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت