الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَلَمَّا قَالَ قَوْمُ مَرْيَمَ لَهَا {كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا} وَظَنُّوا أَنَّ ذَلِكَ مِنْهَا اسْتِهْزَاءً بِهِمْ، قَالَ عِيسَى لَهَا مُتَكَلِّمًا عَنْ أُمِّهِ: {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ} وَكَانُوا حِينَ أَشَارَتْ لَهُمْ إِلَى عِيسَى فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُمْ غَضِبُوا، وَقَالُوا: لَسُخْرِيَّتُهَا بِنَا حِينَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُكَلِّمَ هَذَا الصَّبِيَّ أَشَدُّ عَلَيْنَا مِنْ زِنَاهَا.
عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: فَأَجَابَهُمْ عِيسَى عَنْهَا فَقَالَ لَهُمْ {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا} . الْآيَةَ
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: قَالَ لَهُمْ: {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا} فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ {وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا} فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا لَأَمْرٌ عَظِيمٌ.
[قَالَ] الضَّحَّاكُ: لَمْ يَتَكَلَّمْ عِيسَى إِلَّا عِنْدَ ذَلِكَ حِينَ {قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا}
وَقَوْلُهُ: {آتَانِيَ الْكِتَابَ}
يَقُولُ الْقَائِلُ: أَوْ آتَاهُ الْكِتَابَ وَالْوَحْيَ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ فَإِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا يُظَنُّ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: وَقَضَى يَوْمَ قَضَى أُمُورَ خَلْقِهِ إِلَى أَنْ يُؤْتِيَنِيَ الْكِتَابَ
وَقَوْلُهُ: {وَجَعَلَنِي نَبِيًّا}
وَقَدْ بَيَّنْتُ مَعْنَى النَّبِيِّ وَاخْتِلَافِ الْمُخْتَلِفِينَ فِيهِ، وَالصَّحِيحُ مِنَ الْقَوْلِ فِيهِ عِنْدَنَا بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
وَكَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ فِي مَعْنَى النَّبِيِّ وَحْدَهُ: النَّبِيُّ وَحْدَهُ الَّذِي يُكَلَّمُ وَيُنَزَّلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ وَلَا يُرْسَلُ.
وَقَوْلُهُ {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا}
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: وَجَعَلَنِي نَفَّاعًا
وَقَالَ آخَرُونَ: كَانَتْ بَرَكَتُهُ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ
وَقَالَ آخَرُونَ مَعْنَى ذَلِكَ: جَعَلَنِي مُعَلِّمَ الْخَيْرِ
وَقَوْلُهُ: {وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ}