قوله - جلَّ جلالُه -: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا(41)
هذا منتظم بذكر زكريا ويحيى ومريم وعيسى - عليهم السلام - والصديق من كثر
صدق خطراته، والصديقية نفث حق في الروح ومحادثة حق في النفس وفراسة
صائبة وظن مصيب، يقوم على الأغلب مقام اليقين وصدر منور وقلب سليم ونفس
طيبة، وعلم واسع وعلم كامل وصبر جميل، وعمل بطاعة الله وخلق كريم ونصيحة
صحيحة، تحبه الأرض والسماء، وتحبه الحفظة وتتولاه الملائكة - عليهم السلام.
وكما ليس للجماد أن يكون من النبات، ولا النبات أن يكون من الحيوان، ولا
الحيوان أن يكون بشريًا، كذلك ليس للبشري أن يكون وليًّا لله ولا صديقًا، ولا
للصديق أن يكون نبيًا، وإنما هي مقامات ومنازل ينزلونها(انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا
بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا)والبشري
الصديق واسطة بين من هو نبي وبين من ليس بنبي ولا صديق، لله الأمر كله وهو
بكل خلق عليم.
قوله - عز وجل - حاكيًا عن خليله - صلوات الله وسلامه عليه: (يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي
مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ ... (43) . الذي أتاه من العلم هو معرفة الحق الذي
خلق الله به السماوات والأرض وما بينهما، والعارفون فيه متفاضلون، فربما أتاه الله
أرفعه، ثم ما خصه به من الصديقية والنبوة، والناس في الصديقية متفاضلون
فأول أهل الإيمان درجة قد صدق الله ورسوله وإبراهيم - عليه السَّلام - في أرفعها درجة
ومنزلة.
يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"نحن أولى بالشك من إبراهيم".
وقال الله - جلَّ جلالُه -: (وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ) .
أتبع ذلك بما هو بيان له قوله: (فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا)
والصراط السوي هو: ألا يعبد إلا الله ولا يشرك به شيء سواه، وأخبر اللَّه عز
ذكره أن بالعزلة لمن ضل عن الصراط المستقيم يكون النجاح، وفيه رضا الله، كما
قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -:"واعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى"