قوله - جلَّ جلالُه -: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ ...(59) .
خلف الخلق الدون (فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا(59) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ... (60) .
هذا وعيد للموحدين غير التائبين، قوله: (فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا(59) إِلَّا مَنْ تَابَ)
فلا بد للمؤمن من التوبة بعد إيمانه، ثم لا بد له إذًا من تجديد التوبة ما دام حيًّا.
قال الله - عزَّ من قائل:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي
نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ)هذا أمر لمن آمن بأن
يتذكر إيمانه ويتعرف إيمانه بالله ورسوله والكتاب الأول والقرآن، يتعرف ذلك
بالبراهين والدلائل، لم يجدد ذلك بالتذكار أبدًا، وإنما التوبة في الإيمان
فقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا) وضرب لذلك
مثلاً بامرأة فرعون وبمريم - عليهما السلام وقوله: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ
الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31) . وهو كبير.
نظم ذلك بقوله: (فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا(60) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي
وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (61) . قد يأتي الفاعل
بمعنى المفعول وهو قليل، وذلك نحو قوله: (إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا(61) . أي: آتيًا. قاله
القنيني.
وقال غيره: هو هنا على أصله، معناه: أن الناس يأتون على ما وعد الله لهم
في الآخرة والوعد منتظم لهم.
قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -:"للجنة أقرب إلى أحدكم من شسع نعله والنار كذلك"
وهذه - والله أعلم - الجنة التي هي المأتية لنا بالغيب وكذلك النار، ألا ترى أن
النار تكون معدومة فتورى بالزناد وبغيره، فتظهر من غيبها وتكون موجودة بعد
عدمها، ثم يورى ويقدح إلى ما شاء قادحها، وربما غلبت على إراءته منها،
وكذلك الجنة تكون عدمًا فينزل الله الماء من السماء (فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا)