(فَصْلٌ: مِنْ رَوَائِعِ النُّكَتِ وَاللطَائِفِ فِي السُّورَةِ الكَرِيمَةِ)
قَالَ الإِمَامُ القَصَّابُ:
الرد على من يقول بخلق القرآن ولبس النجس.
قوله: (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى(11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12)
حجة على من يقول بخلق القرآن، ويزعم أن الله لا يجوز عليه الكلام
فيقال له: من نادى موسى بهذا النداء،
فإن قال: لم يناده ربه، إنما ناداه بعض ملائكته.
قيل: (إِنِّى أَنَاْ) راجع على من،
فإن قال: على الملك، كفر حيث جعله رب موسى - ولن يقوله
إن شاء الله - .
وإن قال: هو راجع على الله - جل الله - .
قيل له: أفيجوز أن يكون ذلك راجعَا عليه والنداء من غيره،
فإن قال: لا يجوز، إنه محال.
أقر بأن الله متكلم، وأن: (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ)
وكل ما بعده من (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ) من الابتداء، والجواب لموسى كلامه، وكلامه لا يكون مخلوقا، لأنه صفة من صفاته، ولا يجوز عندنا وعنده وعند من يؤمن به أن يكون شيء من صفاته مخلوقا.
ولو كان: نودي يا موسى، إنه هو ربك، وهو اختارك أنه لا إله
إلا هو فاعبده، وأقم الصلاة لذكره، وكل ما بعده على هذا المعنى لكان
قوله حينئذ أوجه في المخلوق في حق الكلام، وإن كان خطأ من كل
جهة.
فهذا وما يشاكله في القرآن واضح بلا لُبسة أن الله متكلم ناطق، وإذا
كان متكلما ناطقا فما خرج منه من كلامه كان غير مخلوق، وانقطعت مادة
ما يوردون من المحالات في التطرق إلى خلقه من الجعل وغيره.
ويحتمل أن يكون قوله: (فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى(12)
حجة في لبس النجس، والاستمتاع بغير طاهر في غير حين العبادات
فإذا جاء وقتها خلع وتجرد منه لها، وقد روي أن نعليه - صلى الله عليه -
كانتا من جلد حمارٍ ميت، وظاهر الكلام في الأمر بالخلع يدل على أنه