وقال الشيخ/ عبد الرحمن حَبَنَّكَة:
{طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3) }
جملة: {مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ القرآن لتشقى} أي: ما أنزلْنَا عَلَيْك القرآن لتُتْعِبَ قلْبَكَ ونفْسَك بتَحَمُّل أعباء تحويل الناس من الكفر إلى الإِيمان، بل لتبلّغهم وتذكّرهم، وتريح قلبك ونَفْسَك بأنَّك أدّيْتَ واجبك.
وجاءت بعدها كلمة [إلاَّ] تشعر بأنّه سَيَليها مستثنىً يُحمِّلُه تكليفاً فيه بعض شقاءٍ له، فإذا بالمستثنى يتضمّن تأكيد الفكرة التي جاءت في الجملة السابقة لأداة الاستثناء.
{فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12) }
إنّه لم يَسْبِق ذِكْرٌ للفظ"الوادي"لكن سبق العلم به، فهو معهود ذهناً، فاللاّم المعرّفة له هي للعهد الذهني"= العهد العلمي".
{وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18) قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى (19) }
في هذا النَّصّ نلاحظ ذِكْرَ كلماتٍ كان من الممكن حَذْفُها دونَ أن يُؤَثِّرَ عَلى المعنى شيئاً.
لقد كان يكفي أن يقول موسى عليه السلام في جواب سؤال ربّه:"عَصَايَ"دون أن يقول: {هِيَ عَصَايَ} .
وكان من الممكن أن يقتصر على بيان أنها عصاه، دون أن يشرح أعماله فيها بقوله: {أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا على غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أخرى} [الآية: 18] .
وكان من الممكن أن يقول الله عزّ وجلّ له: {أَلْقِهَا} دون أن يناديَهُ {ياموسى} .
لكن دعَا إلى بسط الكلام وإطالةِ الحديث رغبةُ الإِيناسِ مِنَ الرَّبّ عزّ وجلّ، ورغبةُ التشرّف والاستئناس والتلذّذ بطول المحادثة من موسى عليه السلام.
{اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) }
وقد يُسْتَعْمَل في الترجي لفظ"ليت"الذي للتمنّي، لغَرَضٍ بلاغيّ، هو إبراز المرجوّ في صورة المستحيل أو المتعذِّر الْبعيد المنال، للمبالغة في بيانِ بُعْدِ الحصول عليه أو تحقيقه.