فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 286676 من 466147

(فصل وعظ السلطان ومراعاة الأحوال)

قال ابن الجوزي:

ينبغي لمن وعظ سلطاناً أن يبالغ في التلطف ولا يواجهه بما يقتضي أنه ظالم.

فإن السلاطين حظهم التفرد بالقهر والغلبة فإذا جرى نوع توبيخ لهم كان إذلالاً وهم لا يحتملون ذلك.

وإنما ينبغي أن يمزج وعظه بذكر شرف الولاية، وحصول الثواب في رعاية الرعايا، وذكر سير العادلين من أسلافهم.

ثم لينظر الواعظ في حال الموعوظ قبل وعظه.

فإن رأى سيرته حميدة كما كان منصور بن عمار وغيره يعظون الرشيد وهو يبكي. وقصده الخير زاد في وعظه ووصيته.

وإن رآه ظالماً لا يلتفت إلى الخير، وقد غلب عليه الجهل، اجتهد في أن لا يراه ولا يعظه.

لأنه إن وعظه خاطر بنفسه، وإن مدحه كان مداهناً.

فإن اضطر إلى موعظته كانت كالإشارة، وقد كان أقوام من السلاطين يلينون عند الموعظة ويحتملون الواعظين.

حتى أنه قد كان المنصور يواجه بأنك ظالم فيصبر.

وقد تغير الزمان، وفسد أكثر الولاة وداهنهم العلماء، ومن لا يداهن لا يجد قبولاً للصواب فيسكت.

وقد كانت الولايات لا يسألها إلا من أحكمته العلوم، وثقفته التجارب، فصار أكثر الولاة يتساوون في الجهل فتأتي الولاية على من ليس من أهلها.

ومثل هؤلاء ينبغي الحذر منهم والبعد عنهم

فمن ابتلي بوعظهم فليكن على غاية التحرز فيما يقول ولا ينبغي أن يغتر بقولهم عظنا فإنه لو قال كلمة لا توافق أغراضهم ثارت حراراتهم.

وليحذر مذكر السلطان أن يعرض له بأرباب الولايات فإنهم إذا سمعوا بذلك صار الواعظ مقصوداً لهم بالإهلاك خوفاً من أن يعتبر السلطان أحوالهم فتفسد أمورهم.

والبعد في هذا الزمان عنهم أصلح، والسكوت عن المواعظ لهم أسلم.

فمن اضطر تلطف غاية التلطف، وجعل وعظه للعوام وهم يسمعون ولا يعنيهم منه بشيء والله الموفق. انتهى انتهى {جامع المواعظ والرقائق، لابن الجوزي} ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت