{طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2) }
مطلع رخي ندي. يبدأ بالحروف المقطعة: {طا. ها} للتنبيه إلى أن هذه السورة. كهذا القرآن مؤلفة من مثل هذه الحروف على نحو ما أوردنا في مطالع السور. ويختار هنا حرفان ينتهيان بإيقاع كإيقاع السورة، ويقصران ولا يمدان لتنسيق الإيقاع كذلك.
يتلو هذين الحرفين حديث عن القرآن كما هو الحال في السور التي تبدأ بالحروف المقطعة في صورة خطاب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم:
{ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى} .. ما أنزلنا عليك القرآن ليؤدي إلى شقائك به أو بسببه. ما أنزلناه لتشقى بتلاوته والتعبد به حتى يجاوز ذلك طاقتك، ويشق عليك؛ فهو ميسر للذكر، لا تتجاوز تكاليفه طاقة البشر، ولا يكلفك إلا ما في وسعك، ولا يفرض عليك إلا ما في طوقك والتعبد به في حدود الطاقة نعمة لا شقوة، وفرصة للاتصال بالملأ الأعلى، واستمداد القوة والطمأنينة، والشعور بالرضى والأنس والوصول ..
وما أنزلناه عليك لتشقى مع الناس حين لا يؤمنون به. فلست مكلفاً أن تحملهم على الإيمان حملاً؛ ولا أن تذهب نفسك عليهم حسرات؛ وما كان هذا القرآن إلا للتذكير والإنذار:
{إلا تذكرة لمن يخشى} .
والذي يخشى يتذكر حين يُذكر، ويتقي ربه فيستغفر. وعند هذا تنتهي وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم - فلا يكلف فتح مغاليق القلوب، والسيطرة على الأفئدة والنفوس. إنما ذلك إلى الله الذي أنزل هذا القرآن. وهو المهيمن على الكون كله، المحيط بخفايا القلوب والأسرار:
{تنزيلاً ممن خلق الأرض والسماوات العلى. الرحمن على العرش استوى. له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى} ..