ولما وعظهم هارون ونبههم على ما فيه رشدهم اتبعوا سبيل الغي و {قالوا لن نبرح} على عبادته مقيمين ملازمين له، وغيوا ذلك برجوع موسى وفي قولهم ذلك دليل على عدم رجوعهم إلى الاستدلال وأخذ بتقليدهم السامري ودلالة على أن {لن} لا تقتضي التأبيد خلافاً للزمخشري إذ لو كان من موضوعها التأبيد لما جازت التغيية بحتى لأن التغيية لا تكون إلا حيث يكون الشيء محتملاً فيزيل ذلك الاحتمال بالتغيية.
وقبل قوله {قال يا هارون} كلام محذوف تقديره فرجع موسى ووجدهم عاكفين على عبادة العجل {قال يا هارون} وكان ظهور العجل في سادس وثلاثين يوماً وعبدوه وجاءهم موسى بعد استكمال الأربعين، فعتب موسى على عدم اتباعه لما رآهم قد ضلوا و {لا} زائدة كهي في قوله {ما منعك أن لا تسجد} وقال عليّ بن عيسى دخلت {لا} هنا لأن المعنى ما دعاك إلى أن لا تتبعني، وما حملك على أن لا تتبعني بمن معك من المؤمنين {أفعصيت أمري} يريد قوله {اخلفني} الآية.
وقال الزمخشري: ما منعك أن تتبعني في الغضب لله وشدّة الزجر على الكفر والمعاصي، وهلا قاتلت من كفر بمن آمن وما لك لم تباشر الأمر كما كنت أباشره أنا لو كنت شاهداً، أو ما لك لم تلحقني.
وفي ذلك تحميل للفظ ما لا يحتمله وتكثير ولما كان قوله تتبعني لم يذكر متعلقه كان الظاهر أن لا تتبعني إلى جبل الطور ببني إسرائيل فيجيء اعتذار هارون بقوله {إني خشيت أن تقول فرّقت بين بني إسرائيل} إذ كان لا يتبعه إلاّ المؤمنون ويبقى عباد العجل عاكفين عليه كما قالوا {لن نبرح عليه عاكفين} ويحتمل أن يكون المعنى تتبعني تسير بسيري في الإصلاح والتسديد، فيجيء اعتذاره أن الأمر تفاقم فلو تقويت عليه تقاتلوا واختلفوا فكان تفريقاً بينهم وإنما لاينت جهدي.
وقرأ عيسى بن سليمان الحجازي بِلَحْيَتِي بفتح اللام وهي لغة أهل الحجاز.