قوله تعالى {وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (111) }
(مناسبة الآية لما قبلها)
قال البقاعي:
ولما ذكر خشوع الأصوات، أتبعه خضوع دونها فقال: {وعنت الوجوه} أي ذلت وخضعت واستسلمت وجوه الخلائق كلهم، وخصها لشرفها ولأنها أول ما يظهر فيه الذل {للحي} الذي هو مطلع على الدقائق والجلائل، وكل ما سواه جماد حيث ما نسبت حياته إلى حياته {القيوم} الذي لا يغفل عن التدبير ومجازاة كل نفس بما كسبت {وقد خاب} أي خسر خسارة ظاهرة {من حمل} منهم أو من غيرهم {ظلماً} .
ولما ذكر الظالم، أتبعه الحكيم فقال: {ومن يعمل} ولما كان الإنسان محل العجز وإن اجتهد، قال {من الصالحات} أي التي أمره الله بها بحسب استطاعته، لأنه"لن يقدر الله أحد حق قدره"ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه" {وهو مؤمن} ليكون بناؤها على الأساس، وعبر بالفاء إشارة إلى قبول الأعمال وجعلها سبباً لذلك الحال فقال: {فلا يخاف ظلماً} بأن ينسب إليه سوء لم يقترفه لأن الجزاء من جنس العمل، وقراءة ابن كثير بلفظ النهي محققة للمبالغة في النفي {ولا هضماً} أي نقصاً من جزائه وإن كان هو لم يوف المقام حقه لأنه لا يستطيع ذلك، وأصل الهضم الكسر، وأما غير المؤمن فلو عمل أمثال الجبال من الأعمال لم يكن لها وزر."