ولم يذكر سبحانه إتيان موسى عليه السلام بل قال جل وعلا:
{قَالَ لَهُمْ موسى}
للإيذان بأنه أمر محقق غني عن التصريح به، والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً كأنه قيل: فماذا صنع موسى عليه السلام عند إتيان فرعون بمن جمعه من السحرة.
فقيل: قال لهم بطريق النصيحة {وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى الله كَذِباً} بأن تدعوا آياته التي ستظهر على يدي سحراً كما فعل فرعون {فَيُسْحِتَكُم} أي يستأصلكم بسبب ذلك.
{بِعَذَابِ} هائل لا يقادر قدره.
وقرأ جماعة من السبعة.
وابن عباس {فَيُسْحِتَكُم} بفتح الياء والحاء من الثلاثي على لغة أهل الحجاز والإسحات لغة نجد وتميم، وأصل ذلك استقصاء الحلق للشعر ثم استعمل في الإهلاك والاستئصال مطلقاً {وَقَدْ خَابَ مَنِ افترى} أي على الله تعالى كائناً من كان بأي وجه كان فيدخل فيه الافتراء المنهي عنه دخولاً أولياً أو قد خاب فرعون المفترى فلا تكونوا مثله في الخيبة وعدم نجح الطلبة، والجملة اعتراض مقرر لمضمون ما قبلها.
{فتنازعوا} أي السحرة حين سمعوا كلامه عليه السلام كأن ذلك غاظهم فتنازعوا {أَمَرَهُمْ} الذي أريد منهم من مغالبته عليه السلام وتشاوروا وتناظروا {بَيْنَهُمْ} في كيفية المعارضة وتجاذبوا أهداب القول في ذلك {وَأَسَرُّواْ النجوى} بالغوا في إخفاء كلامهم عن موسى وأخيه عليهما السلام لئلا يقفا عليه فيدافعاه، وكان نجواهم على ما قاله جماعة منهم الجبائي.
وأبو مسلم ما نطق به قوله تعالى:
{قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ}
{قَالُواْ} أي بطريق التناجي والإسرار {إِنْ هاذان لساحران} الخ فإنه تفسير لذلك ونتيجة التنازع وخلاصة ما استقرت عليه آراؤهم بعد التناظر والتشاور.
وقيل: كان نجواهم أن قالوا حين سمعوا مقالة موسى عليه السلام ما هذا بقول ساحر، وروي ذلك عن محمد بن إسحاق.