{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105) }
تكلمنا عن (يسألونك) في قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر} [البقرة: 219] .
والسؤال استفهام يعني: طلب فَهْم يحتاج إلى جواب، والسؤال إما أن يكون من جاهل لعالم، كالتلميذ يسأل أستاذه ليعلم الجواب، أو: من عالم لجاهل، كالأستاذ يسأل تلميذه ليعرف مكانته من العلم وإقراره بما يعلم.
وهذه المسألة حَلَّتْ لنا إشكالاً كان المستشرقون يُوغلون فيه، يقولون: بينما الحق تبارك وتعالى يقول: {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ} [الرحمن: 39] يقول في آية أخرى: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ} [الصافات: 24] فالأولى تنفي السؤال، والثانية تُثبته؛ لذلك اتهموا القرآن بالتضارب بين آياته.
وهؤلاء معذورون، فليست لديهم المَلَكة العربية لفَهْم الأداء القرآني، وبيان هذه الإشكال أن السؤال يرِدُ في اللغة إمَّا لتعلمَ ما جهلتَ، وإما لتقرير المجيب بما تعلم أنت ليكون حجة عليه.
فالحق سبحانه حين يقول: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ} [الصافات: 24] أي: سؤالَ إقرار، لا سؤالَ استفهام، فحين ينفي السؤال ينفي سؤال العلم من جهة المتكلم، وحين يثبت السؤال فهو سؤال التقرير.
والحدث مرة يُنفَى، ومرة يُثبت، لكن جهة النفي مُنفكَّة عن جهة الإثبات، فمثلاً الحق سبحانه يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ} [الأنفال: 17] .
فنفى الرمي في الأولى، وأثبته في الثانية، والحدث واحد، المثَبت له والمنفيّ عنه واحد هو محمد صلى الله عليه وسلم. فكيف نخرج من هذا الإشكال؟ أرمَى الرسول أم لم يَرْمِ؟