ولتوضيح هذه المسألة ضربنا مثلاً بالأب الذي جلس بجوار ولده كي يذاكر دروسه ، فأخذ الولد يذاكر ، ويُقلِّب صفحات الكتاب ، وحين أراد الأب اختبار مدى ما حصَّل من معلومات لم يجد عنده شيئاً ، فقال للولد: ذاكرت وما ذاكرت . ذاكرت يعني: فعلت فِعْل المذاكر ، وما ذاكرت لأنك لم تُحصِّل شيئاً .
فرسول الله صلى الله عليه وسلم حينما رمى ، أيمكنه أنْ يُوصل هذه الرمية إلى أعين الجيش كله؟ إذن: فرسول الله أخذ قبضة من التراب ورمى بها ناحية الجيش ، إنما قدرة الله هي التي أوصلتْ حفنة التراب هذه وذَرَّتْها في أعيُنِ الأعداء جميعاً .
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: {ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ} [الجاثية: 26] فنفتْ عنهم العلم ، وفي آية أخرى: {يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الحياة الدنيا} [الروم: 7] فأثبتتْ لهم عِلْماً .
نعود إلى قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الجبال} [طه: 105] وحينما استعرضنا (يَسْألُونَكَ) في القرآن الكريم وجدنا جوابها مسبوقاً ب (قُلْ) كما في قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [البقرة: 219] .
وقوله تعالى {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهلة قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والحج} [البقرة: 189] وهكذا في كل الآيات ، ما عدا قوله تعالى هنا {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الجبال فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً} [طه: 105] فاقترن الفعل (قُلْ) بالفاء ، لماذا؟
قالوا: لأن السؤال في كُلِّ هذه الآيات سؤال عن شيء وقع بالفعل ، فكان الجواب بقُلْ .
مثل: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المحيض قُلْ هُوَ أَذًى} [البقرة: 222] أما {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الجبال} [طه: 105] قال في الجواب {فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً} [طه: 105] ؛ لأنه حَدَثٌ لم يقع بَعْد .