(فصل)
قال جمال الدين الحبيشي:
وكل هَذَا فِي عَالم تَقِيّ ورع نقي يعْمل بِعِلْمِهِ وَلَا يقنع مِنْهُ باسمه بل يكذب نَفسه فِيهِ وَيُحِبهُ ويقتفيه فَمن لم يجد من نَفسه محبَّة الْعلم وأسبابه وَلَا يجد للْعلم ومطالعة كِتَابه لَذَّة تغلب لَذَّة نَومه وَطَعَامه وَشَرَابه فَإِنَّهُ لَيْسَ بفقيه وَإِن تسمى بِهِ وَلَا ينجب فِيهِ وَلَا يعد من أَصْحَابه
وَأنْشد إمامنا الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ ونفع بِهِ وبعلومه آمين
(إِذا رَأَيْت شباب الْحَيّ قد نشأوا ... لَا يحملون قلال الحبر والورقا)
(وَلَا تراهم لَدَى الْأَشْيَاخ فِي حلق ... يعون من طيب الْأَخْبَار مَا اتسقا)
(فعد عَنْهُم وَاعْلَم أَنهم همج ... قد بدلُوا بعلو الهمة الحمقا)
وَإِنَّمَا يعد من أهل الْعلم من جد فِيهِ وَمهر وَترك سَائِر لذاته لَهُ وهجر واستلذ الْجُوع لأَجله والسهر لِأَنَّهُ كلما دخل روضا مِنْهُ تبدى لَهُ مَا هُوَ أحسن وأبرع فَهُوَ فِي رياضه وفنونه وبساتينه يرتع لَا يمل مِنْهُ وَلَا يقنع وَلَا يرْوى وَلَا يشْبع فَهُوَ كَمَا قيل
(يَا نسيم الرّيح قل لي للرشا ... لم يزدني الرّيّ إِلَّا عطشا)
وَقد قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم(منهومان لَا يشبعان طَالب علم وطالب دنيا وَلَا يستويان
أما طَالب الْعلم فَيَزْدَاد رضى الرَّحْمَن وَأما طَالب الدُّنْيَا فَيَزْدَاد فِي الطغيان)
رَوَاهُ الإِمَام الواحدي رَحمَه الله فِي وسيطه وَأَبُو اللَّيْث رَحمَه الله فِي تنبيهه
وَقد ورد لَا يشْبع عَالم من علم حَتَّى يكون منتهاه الْجنَّة وَلَفظ التِّرْمِذِيّ رَحمَه الله فِيهِ لن يشْبع الْمُؤمن من خير سَمعه حَتَّى يكون منتهاه الْجنَّة
وَقَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة رَضِي الله عَنهُ يَوْمًا لأَصْحَابه من أحْوج النَّاس إِلَى طلب الْعلم قَالُوا قل يَا أَبَا مُحَمَّد قَالَ لَيْسَ أحد أحْوج إِلَى طلب الْعلم من الْعَالم لِأَنَّهُ لَيْسَ الْجَهْل بِأحد أقبح بِهِ من الْعَالم.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن يحيى وَابْن الْمُبَارك رَحِمهم الله لَا يزَال الرجل عَالما مَا طلب الْعلم فَإِذا ظن أَنه قد علم فقد جهل