ومن لطائف ونكات تفسير ابن جزي:
سورة الأنبياء
(قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ)
«فإن قيل» : هلا قال يعلم السر مناسبة لقوله (أسرّوا النجوى) ؟
فالجواب: أن القول يشمل السرّ والجهر فحصل به ذكر السرّ وزيادة.
(وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ(33)
«فإن قيل» : لفظ (كلّ) و (يسبحون) جمع، فكيف يعني الشمس والقمر وهما اثنان؟
فالجواب: أنه أراد جنس مطالعها كل يوم وليلة، وهي كثيرة قاله الزمخشري.
وقال القزنوي: أراد الشمس والقمر وسائر الكواكب السيارة، وعبر عنهما بضمير الجماعة العقلاء في قوله: (يسبحون) لأنه وصفهم بفعل العقلاء وهو السبح.
«فإن قيل» : كيف قال (في فلك) وهي أفلاك كثيرة؟
فالجواب: أنه أراد كل واحد يسبح في فلكه، وذلك كقولهم: كساهم الأمير حلة أي كسا كل واحد منهم حلة، ومعنى الفلك جسم مستدير.
وقال بعض المفسرين: إنه من موج، وذلك بعيد، والحق أنه لا يعلم صفته وكيفيته إلا بإخبار صحيح عن الشارع، وذلك غير موجود، ومعنى يسبحون يجرون، أو يدورون، وهو مستعار من السبح بمعنى العوم في الماء، وقوله: (كل في فلك) من المقلوب الذي يقرأ من الطرفين.
(قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ)
قصد إبراهيم عليه السلام بهذا القول تبكيتهم وإقامة الحجة عليهم، كأنه يقول: إن كان إلها فهو قادر على أن يفعل، وإن لم يقدر فليس بإله ولم يقصد الإخبار المحض، لأنه كذب.
«فإن قيل» : فقد جاء في الحديث إن إبراهيم كذب ثلاث كذبات: أحدها قوله فعله كبيرهم؟
فالجواب: أن معنى ذلك أنه قال قولا ظاهره الكذب، وإن كان القصد به معنى آخر، ويدل على ذلك قوله (فَسْأَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ) لأنه أراد به أيضا تبكيتهم وبيان ضلالهم.
(وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً)
«فإن قيل» : كيف يقال عاصفة؟ وقال في [ص: 36] (رخاء) أي لينة؟
فالجواب: أنها كانت في نفسها لينة طيبة، وكانت تسرع في جريها كالعاصف فجمعت الوصفين، وقيل: كانت رخاء في ذهابه، وعاصفة في رجوعه إلى وطنه، لأن عادة المسافرين الإسراع في الرجوع وقيل: كانت تشتدّ إذا رفعت البساط وتلين إذا حملته.
(وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ)
هذا خطاب لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وفيه تشريف عظيم، وانتصب رحمة على أنه حال من ضمير المخاطب المفعول، والمعنى على هذا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الرحمة، ويحتمل أن يكون مصدرا في موضع الحال من ضمير الفاعل تقديره: أرسلناك راحمين للعالمين، أو يكون مفعولا من أجله، والمعنى على كل وجه: أن الله رحم العالمين بإرسال سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لأنه جاءهم بالسعادة الكبرى، والنجاة من الشقاوة العظمى، ونالوا على يديه الخيرات الكثيرة في الآخرة والأولى، وعلمهم بعد الجهالة وهداهم بعد الضلالة.
«فإن قيل» : رحمة للعالمين عموم، والكفار لم يرحموا به؟
فالجواب من وجهين:
أحدهما أنهم كانوا معرضين للرحمة به لو آمنوا فهم الذين تركوا الرحمة بعد تعريضها لهم، والآخر أنهم رحموا به لكونهم لم يعاقبوا بمثل ما عوقب به الكفار المتقدّمون من الطوفان والصيحة وشبه ذلك. انتهى انتهى {التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي} ...