وقال الشيخ/ عبد الرحمن حَبَنَّكَة:
سورة الأنبياء
{وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (8) }
(قضايا حول النفي في الجملة)
القضيةُ الأولى: نفيُ الذَّاتِ الموصُوفة قَدْ يكونُ نَفْياً للصفة دون الذّات، وقد يكون نفياً للذّاتِ والصفة معاً.
(1) فمن أمثلة نفي الصفة دُونَ الذّات، قول الله عزّ وجلّ في سورة الأنبياء بشأن الرُّسُلِ من البشر: {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ الطعام وَمَا كَانُواْ خَالِدِينَ} .
فالنفْيُ في هذه الآيَةِ مُسَلَّطٌ علَى عدم أكلهم للطعام لا عَلَى كَوْنِهِمْ جَسَداً، فهم جَسَدٌ وَيَأْكُلُونَ الطَّعَام.
{بَلْ نَقْذِفُ بالحق عَلَى الباطل فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ... (18) }
القذف في اللّغة: رمْيُ شيءٍ مملوسٍ كحجَر ونحوه إلى جهة ما. وقد اسْتُعِير في هذه الآية فعل:"نَقْذِف"للدّلالة به على توجيه الحقّ الفكريّ وتوجيه أدلّته، للإِقناع بها أو للإِلزام أو للإِفحام، ضدّ الباطل الفكري الذي يُؤمِنُ به، ويجادل به الْمُبْطِلُون.
والدّمْغُ في اللّغة: هو الشجُّ في الرَأسِ الذي يكسر الجمجمة ويَصِلُ إلى الدّماغ فَيُخْرِجه، وهذا عَمَلٌ قَاتِلٌ للْمَدْمُوغ.
وقد استعير في هذه الآية فعل:"يَدْمَغ"للدّلالة به على إبطال الباطل ببرهان الحقّ.
ففي الآية استعارتان جاء في كلّ منهما استعارة مُدْرَكٍ بالحسّ الظاهر للدّلالة به على مُدْرَكٍ فِكْرِي.
فإذا هو زاهق: أي: فإذا الباطل مستَبْعَدٌ أو مضمحلٌ أو زائل، لا تنخدع به الأفكار السّويّة، والعقول السَّليمة.
{وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ (30) }
أي: وجعلنا من ماهيّةِ جنْسِ الماء كلَّ شيء حيّ، فإرادة حقيقة الماء وماهيته تستبعد إرادة كُلِّ الماء على سبيل الاستغراق، والقرينَةُ على إرادة الحقيقة والماهيّة دون الاستغراق الواقعُ المشاهد، فالأحياء يدخل في تركيب أجسادها عنصر الماء، مع وجود مياه منفصلة عن الأحياء، ومياه لم تخلق منها أحياء بعد.
* والقول المشهور:"أهلك النّاسَ الدِّينارُ والدّرْهم"أي: أهلك جنْسَ الناس لا كلَّ أفرادهم جنْسُ الدينار وجنسُ الدرهم، لا كُلُّ دينار وكلّ دِرْهم.