ثم بين تعالى أن التوحيد دعوى كل نبيّ، بقوله:
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ} وقرئ يوحى بالياء وفتح الحاء: {أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} . كما قال: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} [الزخرف: 45] ، وقال: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] ، فكل نبيّ بعثه الله يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له. والفطرة شاهدة بذلك أيضاً، والمشركون لا برهان لهم وحجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد. ثم بين تعالى بطلان ما يفتريه بعض المشركين من أن الملائكة بناته، تعالى علواً كبيراً، بقوله سبحانه:
{وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} أي: مقربون: {لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ} أي: يتبعون قوله، فلا يقولون شيئاً حتى يقوله تعالى أو يأمرهم به كما هو شأن العبيد المؤدبين: {وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} فلا يعصونه في أمر. إشارة إلى مراعاتهم في أدب العبودية في الأفعال أيضاً، كالأقوال.
{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} أي: مما قدموا وأخروا. فهو المحيط بهم علماً: {وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ} [البقرة: 255] ، فكيف يخرجون عن عبوديته؟: {وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} أي: أن يشفع له، مهابة منه تعالى.
قال المهايميّ: كيف يخرجون عن عبوديته ولا يقدرون على أدنى وجوه معارضته. لأنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى. إذا الشفاعة لغير المرتضى نوع معارضة معه. وكيف يعارضونه: {وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ} أي: قهره: {مُشْفِقُونَ} أي: خائفون.