ومن لطائف ونكات تفسير الماوردي:
سورة الأنبياء
قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (8) }
فيه وجهان: أحدهما: معناه وما جعلنا الأنبياء قبلك أجساداً لا يأكلون الطعام ولا يموتون فنجعلك كذلك , وذلك لقولهم: {مَا هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} [المؤمنون: 24] قاله ابن قتيبة.
الثاني: إنما جعلناهم جسداً يأكلون الطعام وما كانواْ خالدين , فلذلك جعلناك جسداً مثلهم , قاله قتادة. قال الكلبي: أو الجسد هو الجسد الذي فيه الروح ويأكل ويشرب , فعلى مقتضى هذا القول يكون ما لا يأكل ولا يشرب جسماً. وقال مجاهد: الجسد ما لا يأكل ولا يشرب , فعلى مقتضى هذا القول يكون ما يأكل ويشرب نفساً.
{فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ}
وفي حكمهما قولان: أحدهما: أنه كان متفقاً لم يختلفا فيه , لأن الله حين أثنى عليهم دل على اتقافهما في الصواب ويحتمل قوله تبارك وتعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا} على أنه فضيلة له على داود لأنه أوتي الحكم في صغره , وأوتي داود الحكم في كبره , وإن اتفقا عليه ولم يختلفا فيه لأن الأنبياء معصومون من الغلط والخطأ لئلا يقع الشك في أمورهم وأحكامهم , وهذا قول شاذ من المتكلمين. والقول الثاني: وهو قول الجمهور من العلماء والمفسرين أن حكمهما كان مختلفاً أصاب فيه سليمان , واخطأ داود , فأما حكم سليمان فإنه قضى لصاحب الحرث , وأما حكم سليمان فإنه رأى أن يدفع الغنم إلى صاحب الحرث لينتفع بدرّها ونسلها , ويدفع الحرث إلى صاحب الغنم ليأخذ بعمارته , فإذا عاد في السنة ابن مسعود , ومجاهد. فرجع داود إلى قضاء سليمان فحكم به , فقال الله تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} فجعل الحق معه وفي حكمه , ولا يمتنع وجود الغلط والخطأ من الأنبياء كوجوده من غيرهم. لكن لا يقرون عليه وإن أقر عليه غيرهم , ليعود الله بالحقائق لهم دون خلقه , ولذلك تسمى بالحق وتميز به عن الخلق.