ومن لطائف ونكات حاشية الصاوي على الجلالين:
سورة الأنبياء
قوله: {يُسَبِّحُونَ الليلَ وَالنَّهَارَ}
المقصود من هذا الإخبار، تحريض المؤمنين على الطاعات وتبكيت الكفار على تركها، لأن العبادة والتسبيح، وصف أهل القرب والشرف، وتركها وصف أهل البعد والخسة.
قوله: (فهو منهم كالنفس منا) أي فهو سجية وطبيعة لهم، ولا يشغلهم التسبيح عن غيره، كلعن الكفرة، ونزول الأرض، وتبليغ الأحكام، وغير ذلك، كما أن اشتغالنا بالنفس لا يمنعنا الكلام.
«إن قلت» : إن هذا قياس مع الفارق، لأن آلة النفس غير آلة الكلام، وأما التسبيح واللعن، فهما من جنس الكلام، فاجتماعهما محال.
أجيب: بأن الملائكة لهم ألسنة كثيرة، بعضها يسبحون الله به، وبعضها يلعنون أعداء الله به، فلا يقاسون على بني آدم.
{وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}
«إن قلت» : إن الأنبياء يستحيل عليهم المنفر من الأمراض؟
أجيب بأن ما نزل به ليس من المنفرات في شيء، وإنما هو حرارة وحكة، ظهرت من آثار نفخ اللعين إبليس، وأعظم الله ضرها لخصوص أيوب تعظيماً لقدره، لأن أشد الناس بلاء، الأنبياء ثم الأولياء، ثم الأمثل فالأمثل، كما ورد بذلك الحديث.
{وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ}
«إن قلت» : المزية ظاهرة في حفظه من الحرام، وأما الحلال فكيف تمدح على التعفف عنه؟
أجيب بأن الترهيب كان مشروعاً لهم، أو لتكون ولادتها خارقة للعادة.
قوله: {أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ}
أي عن جهنم.
«إن قلت» : كيف ذلك مع قوله تعالى: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} [مريم: 71] والورود يقتضي القرب منها؟
أجيب: بأن المراد مبعدون عن عذابها وألمها، فإن المؤمنين إذا مروا على النار تخمد وتقول جز يا مؤمن، فإن نورك قد أطفأ لهبي، وهذا لا ينافي الورود.
قوله: {يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا}
أي حركة تلهبها، وفي هذا تأكيد بُعدهم عنها. انتهى انتهى {حاشية الصاوي على الجلالين} ...