ومن لطائف ونكات تفسير السمعاني:
سورة الأنبياء
قَوْله تَعَالَى: {وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ}
«فإنْ قيلَ» : هَل قَالَ أحد من الْمَلَائِكَة إِنِّي إِلَه من دونه؟
قُلْنَا مَعْنَاهُ: لَو قَالُوا، وَلم يَقُولُوا، وَالْجَوَاب الْمَعْرُوف: أَن المُرَاد مِنْهُ إِبْلِيس لَعنه الله؛ فَإِنَّهُ دَعَا النَّاس إِلَى طَاعَته، فَهُوَ معنى قَوْله: {وَمن يقل مِنْهُم إِنِّي إِلَه} وَهَذَا دَلِيل على أَن من دَعَا إنْسَانا إِلَى طَاعَته فِي مَعْصِية الْخَالِق فَكَأَنَّهُ قَالَ: اعبدني أَو اتَّخَذَنِي إِلَهًا.
قَوْله تَعَالَى: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا}
«فَإِن قَالَ قَائِل» : قد قَالَ: أَولم ير الْكفَّار، ولم يرَوا شَيْئا من هَذَا وَلَا الْمُسلمُونَ؟
وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن مَعْنَاهُ أَولم يعلمُوا بإخبارك إيَّاهُم، وَقيل: أَو لم يخبروا. وَأما الرتق فِي اللُّغَة هُوَ السد، والفتق هُوَ الشق، قَالَ الشَّاعِر:
(يهون عَلَيْهِم إِذا يغضبون ... سخط العداة وإرغامها)
(ورتق الفتوق وفتق الرتوق ... وَنقض الْأُمُور وإبرامها)
وَأما معنى الْآيَة: قَالَ ابْن عَبَّاس: قَوْله: {كَانَتَا رتقا} أَي: كَانَ السَّمَاء وَالْأَرْض ملتصقين، ففتقناهما بالهواء، وَقَالَ غَيره: مَعْنَاهُ: كَانَ السَّمَاء شَيْئا وَاحِدًا، ففتقناها، وجعلناها سبع سماوات، وَكَانَت الأَرْض شَيْئا وَاحِدًا ففتقناها، وجعلناها سبع أَرضين، وَالْقَوْل الثَّالِث قَالَه مُجَاهِد: فتقنا السَّمَاء بالمطر، وَالْأَرْض بالنبات.
قَوله: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ}
«فَإِن قَالَ قَائِل» : قد خلق بعض مَا هُوَ حَيّ من غير المَاء، فَكيف يَسْتَقِيم قَوْله: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ} ؟
وَأَيْضًا فَإِن الْإِنْسَان قد يَمُوت بِالْمَاءِ، وَالشَّجر والنبات قد يهْلك بِالْمَاءِ؟
وَالْجَوَاب من وَجْهَيْن:
أَحدهمَا: أَن المَاء هَاهُنَا هُوَ النُّطْفَة، والحي هُوَ الْآدَمِيّ، وَمَعْنَاهُ: كل شَيْء حَيّ من الْآدَمِيّ. وَالْجَوَاب الثَّانِي: أَن هَذَا على وَجه التكثير، وَأكْثر الْأَحْيَاء فِي الأَرْض إِنَّمَا هُوَ مَخْلُوق من المَاء أَو بَقَاؤُهُ بِالْمَاءِ، فاستقام معنى الْآيَة من هَذَا الْوَجْه.