(فصل: في الرد على بعض الشبهات)
(الإتيان بفاعلين لفعل واحد)
منشأ هذه الشبهة:
هو قوله تعالى: (لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ(3) .
وشاهدهم في هذه الآية هو الجمع بين:"وأسروا"،"الذين ظلموا"لأنهم جزموا بأن"الواو"في"أسروا"فاعل، كما جزموا بأن"الذين"في"الذين ظلموا"فاعل كذلك.
ولما كان كل فعل لا يتطلب إلا فاعلاً واحداً، صاحوا بأعلى صوت قائلين:
إن القرآن أخطأ فجعل للفعل الواحد فاعلين؟!
الرد على الشبهة:
قال شيخ المفسرين البيانيين الإمام جار الله محمود بن عمر الزمخشري يقول:"أبدل الذين ظلموا من"واو"وأسروا"إشعارًا بأنهم الموسومون بالظلم الفاحش فيما أسروا به.
أو جاء على لغة من قال: أكلونى البراغيث.
أو هو منصوب المحل على الذم.
أو هو مبتدأ خبره"وأسروا النجوى"قُدِّم عليه والمعنى:
هؤلاء أسروا النجوى. فوضع المظهر موضع المضمر تسجيلاً على فعلهم بأنه ظلم.
ذكر الإمام - رحمه الله - في توجيه هذا التركيب أربعة آراء كلها صحيح فصيح:
الأول: إن"الذين ظلموا"بدل كل من كل من معنى"الواو"في"أسروا"لأنه واو جماعة معناه الجمع.
الثاني: إنه جاء على لغة بعض القبائل العربية، التي تجمع بين الضمير إذا وقع فاعلاً وبين ما يفسره.
وعليه جاء الحديث الشريف: [يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار] .
الثالث: أن يكون في محل نصب على الذم، على تقدير فعل محذوف هو: أذم أو أخص الذين ظلموا بالذم.
الرابع: أن يكون هو المبتدأ، وما قبله خبر عنه، أي الذين ظلموا أسروا النجوى.
أما الذي اقتضى تقديم خبره عليه"أسروا النجوى"فهو التسجيل عليهم بقبح ظلمهم وفحوشته. وهذا كله كلام طيب في غاية النفاسة.
ويردد الإمام الشوكاني ما قاله الإمام جار الله - رحمه الله - ويضيف إلى ما قاله جديداً، ومن هذا الجديد:"إن الذين ظلموا"فاعل لفعل محذوف تقديره: يقول الذين ظلموا.
ثم يورد على لغة"أكلونى البراغيث"آية أخرى من كتاب الله، هي قوله عز وجل: (ثم عموا وصموا كثير منهم) .
فقد جُمِعَ في الآية بين الضمير، وهو"الواو"في"عموا"و"صموا"وبين الاسم الظاهر"كثير".
كما ذكر قول الشاعر:
ولكن ديافى أبوه وأمه ... بحوران يعصرن السليط أقاربه