ومن لطائف ونكات ابن الأثير:
سورة الأنبياء
{وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38) لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (39) }
تقديره: لو يعلمون الوقت الذي يستعجلونه، وهو وقت صعب شديد تحيط بهم فيه النار من وراء وقدام، ولا يقدرون على دفعها عن أنفسهم، ولا يجدون ناصرا ينصرهم، لما كانوا بتلك الصفة من الكفر، والاستهزاء والاستعجال، ولكن جهلهم به هو الذي هونه عليهم.
{وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) }
قول ابن جني في المجاز والرد عليه:
وكنت تصفحت كتاب"الخصائص"لأبي الفتح عثمان بن جني، فوجدته قد ذكر في المجاز شيئًا يتطرق إليه النظر، وذلك أنه قال: لا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا لمعان ثلاثة، وهي الاتساع، والتشبيه، والتوكيد؛ فإن عدمت الثلاثة، كانت الحقيقة ألبتة.
فمن ذلك قوله تعالى: {وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا} فهذا مجاز، وفيه الثلاثة المذكورة:
أما الاتساع: فهو أنه زاد في أسماء الجهات والمحال اسمًا، وهو الرحمة.
وأما التشبيه، فإنه شبه الرحمة - وإن لم يصح دخولها - بما يصح دخوله.
وأما التوكيد: فهو أنه أخبر عما لا يدرك بالحاسة بما يدرك بالحاسة؛ تعاليًا بالمخبر عنه، وتفخيمًا له إذا صير بمنزلة ما يشاهد ويعاين.
هذا مجموع قول أبي الفتح - رحمه الله - من غير زيادة ولا نقص.
والنظر يتطرق إليه من ثلاثة أوجه:
الأول: أنه جعل وجود هذه المعاني الثلاثة سببًا لوجود المجاز، بل وجود واحد منها سببًا لوجوده ألا ترى أنه إذا وجد التشبيه وحده كان ذلك مجازًا، وإذا وجد الاتساع وحده كان ذلك مجازًا، ثم إن كان وجود هذه المعاني الثلاثة سببًا لوجود المجاز، كان عدم واحد منها سببًا لعدمه.
ألا ترى أنا إذا قلنا: لا يوجد الإنسان إلا بأن يكون حيوانًا ناطقًا؛ فالحيوانية والنطق سبب لوجود الإنسان، وإذا عدم واحد منهما بطل أن يكون إنسانًا، وكذلك كل صفات تكون متقدمة لوجود الشيء؛ فإن وجودها بوجوده، وعدم واحد منها يوجب عدمه؟
وأما الوجه الثاني: فإنه ذكر التوكيد والتشبيه، وكلاهما شيء واحد على الوجه الذي ذكره؛ لأنه لما شبهت الرحمة، وهي معنى لا يدرك بالبصر، بمكان يدخل، وهو صورة تدرك بالبصر، دخل تحته التوكيد الذي هو إخبار عما لا يدرك بالحاسة بما قد يدرك بالحاسة.