22 -ومن"عشرة كاملة"إلى لغة"أكلوني البراغيث"كما يسميها النحاة. ذلك أن الجاهل المتغشمر يظن بعقله الضيق أن هناك غلطة نحوية في قوله تعالى في الآية 3 من"الأنبياء": {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} ؟، إذ يزعم أن الصواب يقتضي حذف"الواو"من"أسرّوا"فيكون الكلام:"وأسرَّ النجوى الذين ظلموا" (ص 111) .
وهذا اعتراض يدل على تفاهة عقله، ذلك أن الآية تخلو تماماً مما يمكن أن يؤخذ عليها، فالتركيب عربي سليم مائة في المائة، ولو كان فيه أدنى شيء ما سكت عليه العرب.
أما إذا أردنا توجيهه فنحن بالخيار: فإما أن يكون تقدير الكلام:"وأسرَّوا النجوى، (أعني) الذين ظلموا: هل هذا إلا بشرَّ مثلكم؟"، وإما أن يبقى الكلام على حاله دون تقدير، وتكون"واو الجماعة"في"اسرَّوا"حرفاً يدل على جمع الذكور (لا فاعلاً) كما تدل التاء في"أقبلتْ فاطمة"على المفردة المؤنثة، أو تكون"واو الجماعة"هي الفاعل، و"الذين ظلموا"بدلاً منها.
وعلى أية حال فقد وردت شواهد على هذا التركيب في الشعر العربي القديم. يقول عروة بن الورد:
وأحقرهم وأهونهم عليه ... وإن كانا له نَسَبٌ وخِيرُ
ويقول أُحَيْحة بن الجراح:
يلومونني في اشتراء النخيـ ... ـل أهلي فكلهم يَعْذِلُ
ويقول عمرو بن ملقط:
أُلْفِيَتا عيناك عند القفا ... أولى فأولى لك ذا واقيه
ويقول محمد بن عبد الله العتبي:
رأيْن الغواني الشيَّبْ لاح بعارضي ... فأَعْرَضْن عني بالخدود النواضِرِ
ومثله الشاهد التالي:
ألا يا اسلما يا دِمْتَنَي أم مالكٍ ... ولا يَسْلَما بَعْدَيْكما طَلَلانِ
وكذلك هذا الشاهد:
نصروك قومي فاعتززتَ بنصرهم ... ولو إنهم خذلوك كنتَ ذليلاً
ثم هذا الشاهد:
نُسِيَا حاتمً وأوسً لَدُن فا ... ضَتْ عطاياك يا ابن عبد العزيز
ثم هذا الشاهد أيضاً:
فأدركْنه خالاُته فَخَذَلْنه ... ألا إن عرق السوء لابدً مُدْرِكُ
ثم هذا الشاهد لأبي فراس الحمداني:
نتج الربيع محاسناً ... أَلْفَحْنَه غُرُّ السحائبْ
ثم هذا الشاهد لأحد شعراء"اليتيمة":
إلى أن رأيتُ النجم وهو مغرًبَّ ... وأقبلْنَ راياتُ الصباح من
انتهى انتهى {عصمةُ القرآنِ الكريمِ وجهالاتُ الْمُبَشِّرِينَ، للدكتور/ إبراهيم عوض} ...