وقال الخطيب القزويني:
سورة الأنبياء
{وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ... (30) }
أي: جعلنا مبدأ كل شيء حي من هذا الجنس الذي هو الماء؛ لما روي أنه تعالى خلق الملائكة من ريح خلقها من الماء، والجن من نار خلقها منه، وآدم من تراب خلقه منه.
{قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55) }
أي: أأحدثت عندنا تعاطي الحق فيما نسمعه منك أم اللعب أي: أحوال الصبا بعد مستمرة عليك؟
{قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (62) }
(من أغراض الاستفهام)
ومنها التقرير: ويُشترط في الهمزة أن يليها المقرَّر به كقولك: أفعلتَ؟ إذا أردتَ أن تقرره بأن الفعل كان منه، وكقولك:"أأنت فعلت؟"إذا أردت أن تقرره بأنه الفاعل.
وذهب الشيخ عبد القاهر والسكاكي وغيرهما إلى أن قوله: {أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ} [سورة الأنبياء: 62] من هذا الضرب. قال الشيخ: لم يقولوا ذلك له - عليه السلام - وهم يريدون أن يُقر لهم بأن كسر الأصنام قد كان، ولكن أن يقر بأنه منه كان، وكيف وقد أشاروا له إلى الفعل في قولهم: {أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا} وقال عليه السلام: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} ولو كان التقرير بالفعل في قولهم: {أَأَنْتَ فَعَلْتَ} لكان الجواب:"فعلتُ أو لم أفعل".
وفيه نظر؛ لجواز أن تكون الهمزة فيه على أصلها؛ إذ ليس في السياق ما يدل على أنهم كانوا عالمين بأنه - عليه السلام - هو الذي كسر الأصنام، وكقولك:"أزيدا ضربتَ؟"إذا أردت أن تقرره بأن مضروبه زيد.
{وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (80) }
و"هل": لطلب التصديق فحسب، كقولك:"هل قام زيد؟ وهل عمرو قاعد؟"؛ ولهذا امتنع:"هل زيد قام أم عمرو؟"وقبُح:"هل زيدا صربتَ؟"؛ لما سبق أن التقديم يستدعي حصول التصديق بنفس الفعل والشك فيما قُدِّم عليه , ولم يقبح:"هل زيدا ضربته؟"؛ لجواز تقدير المحذوف المفسّر مقدما كما مر، وجعل السكاكي قبح نحو:"هل رجل عرف؟"لذلك، أي: لما قبح له:"هل زيدا ضربت؟"، ويلزمه ألا يقبح نحو:"هل زيد عرف؟"؛ لامتناع تقدير التقديم والتأخير فيه عنده على ما سبق. وعلل غيره القبح فيهما بأن أصل"هل"أن تكون بمعنى"قد"، إلا أنهم تركوا الهمزة قبلها لكثرة وقوعها في الاستفهام.