{لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ}
أي: شرفكم وحديثكم الذي تذكرون به فوق شرف الأشراف: {أَفَلا تَعْقِلُونَ} أي: هذه النعمة وتتلقونها بالقبول كما قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ} [الزخرف: 44] ، وقيل: معنى: {ذِكْرُكُمْ} موعظتكم فالذكر بمعنى التذكير مضاف للمفعول. قال أبو السعود: وهو الأنسب بسباق النظم الكريم وسياقه. فإن قوله تعالى: {أَفَلا تَعْقِلُونَ} إنكار توبيخيّ، فيه بعث لهم على التدبر في أمر الكتاب، والتأمل فيما في تضاعيفه من فنون المواعظ والزواجر، التي من جملتها القوارع السابقة واللاحقة. ثم أشار تعالى إلى نوع تفصيل لإجمال هلاك المسرفين المتقدم له، بقوله تعالى:
{وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا} أي: عذابنا النازل بهم: {إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ} أي: يهربون مسرعين. ثم قيل لهم استهزاءً بلسان الحال أو المقال: {لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ} أي: من التنعم والتلذذ وفي ظرفية أو سببية: {وَمَسَاكِنِكُمْ} أي: التي كثر فيها إسرافهم: {لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ} أي: تقصدون للسؤال والتشاور والتدبير في المهمات والنوازل.
{قَالُوا} أي: لما أيقنوا بنزول العذاب: {يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ} أي: تلك الكلمة وهي: يا ويلنا دعوتهم فلا تختص بوقت الدهشة، بل تدوم عليهم ما أمكنهم النطق: {حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً} أي: كنبات محصود: {خَامِدِينَ} أي: هالكين بإخماد نار أرواحهم. انتهى انتهى. {محاسن التأويل حـ 11 صـ 188 - 189}