قال - عليه الرحمة:
{وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (32) }
في ظاهر الكون السماء منيرة، والأرض مسكونة .. كذلك للنفوس أراضٍ هي مساكن الطاعات، وفي سماء القلوب نجومُ العقل وأقمارُ العلم وشموسُ التوحيد والعرفان. وكما جُعِلَتْ النجومُ رجوماً للشياطين جَعَلَ من المعارفِ رجوماً للشياطين وكما أن الناس عن آياتها معرضون لا يتفكرون فالعوام عن آياتِ القلوب مما فيها من الأنوار غافلون، لا يكاد يعرفها إلا الخواص.
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (33)
كما أن الحق - سبحانه - في الظاهر يكوِّر الليل على النهار، ويكون النهار على الليل فكذلك يُدْخِلُ في نهارِ البسط ليلَ القبض .. والبسط في الزيادة والنقصان،. فكما أنَّ الشمس أبداً في برجها لا تزيد ولا تنقص، والقمرَ مرةً في المحاق، ومرةً في الإشراق .. فصاحبُ التوحيدِ بنعت التمكين - يرتقي عن حَدِّ تأمُّلِ البرهان إلى رَوْحِ البيان، ثم هو متحققٌ بما هو كالعيان. وصاحبُ العِلْم مرةً يُرَدُّ إلى تجديد نَظَرِه وتَذَكُّرِه، ومرةً يغشاه غَيْرٌ في حال غفلته فهو صاحب تلوين.
وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (34)
إنك في هذه الدنيا عابرُ سبيلٍ، لكننا لم نتركك فرداً في الدنيا، ولذلك قال عليه السلام لصاحبه في الغار:"ما ظنك باثنين الله ثالثهما!".
قوله جلّ ذكره: {كٌلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالخَيْرِ فِتْنَةً}
الموتُ به آفةُ قومٍ، وفيه راحة قوم؛ لقوم انتهاءُ مدة الاشتياق، والآخرين افتتاح باب الفراق، لقوم وقوع فتنتهم ولآخرين خلاصٌ من محنتهم، لقوم بلاء وقيامة ولآخرين شفاء وسلامة. انتهى انتهى. {لطائف الإشارات حـ 2 صـ 501 - 502}