قال - عليه الرحمة:
قوله جل ذكره: {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِى الحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ ءَاتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} .
أشركهم في حكم النبوة وإن كان بين درجتيهما تفاوت .. ففي مسألة واحدة اثبت لسليمان - عليه السلام - بها خصوصية؛ إذ مَنَّ عليه بقوله: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} ولم يَمُنْ عليه بشيءٍ من المُلْكِ الذي أعطاه بمثل ما منَّ عليه بذلك، وفي هذه المسألة دلالة على تصويب المجتهدين - وإن اختلفوا - إذا كان اختلافُهم في فروع الدِّين، حيث قال: {وَكُلاًّ ءَاتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} ولمن قال بتصويب أحدهما وتخطئه الآخر فله تعلُّقٌ بقوله: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} .
قوله جلّ ذكره: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ} .
أمَرَ الجبالَ وسخَّرها لتساعدَ داودَ - عليه السلام - في التسبيح، ففي الأثر، كان داود - عليه السلام - يمرُّ وصُفَاحُ الجبالِ تجاوبه، وكذلك الطيور كانت تساعده عند تأويبه.
وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (80)
سخَّر الله - سبحانه - لداود الحديد وألانه في يده، فكان ينسج الدروع، قال تعالى: {وَأَلَنَّا لَهُ الحَدِيدَ} [سبأ: 10] ليتحصن من السهام في الحروب، قال تعالى: {وَقَدِّرْ فِى السَّرْدِ} [سبأ: 11] وأحْكِمْ الصنعة وأوثِقْ المسامير ... ولكن لما قصدته سِهامُ التقدير ما أصابت إلا حدقَتَه حين نظر إلى امرأة أوريا - من غيرقصدٍ - فكان ما كان.