[فصل]
قال الإمام نظام الدين النيسابوري فِي الآيات السابقة:
{وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51) }
التفسير: الرشد الاهتداء لوجوه المصالح في الدين والدنيا وقد يخص ههنا بالنبوة لقوله {رشده} ومعنى الإضافة أن لهذا الرشد شأناً ولقوله {وكنا به عالمين} وفيه أنه علم منه أسراراً عجيبة وأحوالاً بديعة حتى اتخذه خليلاً واصطفاه نبياً نظيره {الله أعلم حيث يجعل رسالته} [الأنعام: 124] وعلى هذا فمعنى قوله {من قبل} أي من قبل موسى وهارون قاله ابن عباس: وعلى الأول يحتمل هذا وأن يراد من قبل البلوغ حين استدل بالكواكب قاله مقاتل. وعن ابن عباس في رواية الضحاك حين أخذ الله ميثاق النبيين في صلب آدم. قالت الأشاعرة: أراد بإيتاء الرشد خلق ذلك فيه إذ لو حمل على أسباب ذلك تناول الكفار. أجاب الكعبي بأن هذا إنما يقال فيمن قبل لا فيمن رد، نظيره بأن يعطي الأب كل واحد من ولديه ألفاً فقبله أحدهما وثمره ورده الآخر أو أخذه ثم ضيعه فيقال: أغنى فلان ابنه فيمن ثمر المال، ولا يقال مثله فيمن ضيع. واعترض بأن قبوله على هذا التقدير يكون جزءاً من مسمى الرشد وحينئذ لا يصح إستناد إيتاء الرشد إلى الله وحده، وهذا بخلاف نص القرآن. والتمثال اسم للشيء المصنوع مشبهاً بخلق من خلق الله تعالى من مثلت الشيء بالشيء شبهته به، وإسم ذلك الممثل تمثال جعل إبراهيم عليه السلام هذا التجاهل والتغابي ابتداء كلامه لينظر فيما عساهم يوردونه من شبهة فيحلها لهم مع ما في هذا السؤال من تحقير آلهتهم وتسفيه أخلافهم. وفي قوله {أنتم لها عاكفون} دون أن يقول عليها كقوله {يعكفون على أصنام لهم} [الأعراف: 138] نوع آخر من التجهيل والتوبيخ لأنه ادعى عليهم أنهم جعلوا العكوف مختصاً بها دون خالقها وخالق كل شيء {قالوا وجدنا آبائنا لها عابدين} لا يمكن لهم أن يتمسكوا بشيء آخر سوى التقليد فزيف طيقتهم بالتنبيه على خطئهم وخطأ أسلافهم فقال: {لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين} لأن كل مذهب لا يستند إلى دليل كان صاحبه ضالاً أو في حكم ذلك.