أتبع ذلك قوله - تبارك وتعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ(51)
وقرأ عيسى بن عمر:"رَشَده"بفتح الراء والشين، إلى قوله:
أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ
دُونِ اللَّهِ) إلى قوله: (قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ
فَاعِلِينَ (68) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) .
هذه دلالة من الله - جل ذكره - أن الأشياء ليست لها استطاعة ولا عمل من
عند أنفسها، وإنما فعلها المنسوب إليها هو من الله وحده لا شريك له، وإن كان
قد أجرى سنته في النار بالإحراق وفي السيف بالقطع، فذلك كله بأمر الله وبإذنه،
كما يحيي الموتى على يدي عيسى ابن مريم وغير ذلك.
وهذا يجري في ثبوت الدلالة مجرى إمساك الله السَّمَاوَات والأرض أن تزولا
وكل شيء وما عبر عنه بقوله: (وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ) أي: هو الخلاق
أبدًا على الدوام يخلف الخلقة الخلقة، ألا ترى أن القادر ما الحي ذا الزعامة ليس
له من الأمر على تحقيق المعتقد شيء، بل هو على ما عبر عنه بقوله الحق:(وَمَا
رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى)والجماد والموات وما لا حياة به
أحرى ألا يوصف بذلك وأبعد.
قوله تعالى: (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ) نفشت: رعت ليلاً، وحرث القوم: زرعهم، وقيل: كانت كرومًا.
قال الله - عزَّ من قائل: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ) روي عن نبينا - صلى الله عليه وسلم -
"أنه قفى فيما أفسدت المواشي بالليل على أرباب المواشي بالضمان، وما أفسدت"
بالنهار فعلى أصحاب الحوائط"وذكر أن سُلَيْمَان قضى بذلك، غير أن سُلَيْمَان"
-عليه السَّلام - قضى بدفع الغنم إلى رب الكرم، ينتفعون بغلتها إلى أن يقوم أصحابها بصلاح
الكرم، حتى يعود إلى ما كان عليه يوم أفسد.