فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 293936 من 466147

[من روائع الأبحاث]

(فصل: من روائع الأدب العربي)

[امتزاج الخير بالشر من مصلحة الكون]

قال الجاحظ:

اعلم أنّ المصلحة في أمر ابتداء الدنيا إلى انقضاء مدّتها امتزاج الخير بالشرّ، والضارّ بالنافع، والمكروه بالسارّ، والضّعة بالرّفعة، والكثرة بالقلّة. ولو كان الشرّ صرفا هلك الخلق، أو كان الخير محضا سقطت المحنة وتقطّعت أسباب الفكرة، ومع عدم الفكرة يكون عدم الحكمة، ومتى ذهب التخيير ذهب التمييز، ولم يكن للعالم تثبّت وتوقّف وتعلّم، ولم يكن علم، ولا يعرف باب التبيّن، ولا دفع مضرة، ولا اجتلاب منفعة، ولا صبر على مكروه ولا شكر على محبوب، ولا تفاضل في بيان، ولا تنافس في درجة، وبطلت فرحة الظّفر وعزّ الغلبة، ولم يكن على ظهرها محقّ يجد عزّ الحق، ومبطل يجد ذلّة الباطل، وموقن يجد برد اليقين، وشاكّ يجد نقص الحيرة وكرب الوجوم ولم تكن للنفوس آمال ولم تتشعّبها الأطماع. ومن لم يعرف كيف الطّمع لم يعرف اليأس، ومن جهل اليأس جهل الأمن، وعادت الحال من الملائكة الذين هم صفوة الخلق، ومن الإنس الذين فيهم الأنبياء والأولياء، إلى حال السبع والبهيمة، وإلى حال الغباوة والبلادة، وإلى حال النجوم في السّخرة فإنها أنقص من حال البهائم في الرّتعة. ومن هذا الذي يسرّه أن يكون الشمس والقمر والنّار والثلج، أو برجا من البروج أو قطعة من الغيم أو يكون المجرّة بأسرها، أو مكيالا من الماء أو مقدارا من الهواء؟! وكلّ شيء في العالم فإنما هو للإنسان ولكلّ مختبر ومختار، ولأهل العقول والاستطاعة، ولأهل التبيّن والرويّة.

وأين تقع لذّة البهيمة بالعلوفة، ولذّة السبع بلطع الدّم وأكل اللحم من سرور الظّفر بالأعداء ومن انفتاح باب العلم بعد إدمان القرع؟ وأين ذلك من سرور السّودد ومن عزّ الرياسة؟ وأين ذلك من حال النّبوّة والخلافة، ومن عزّهما وساطع نورهما.

وأين تقع لذّة درك الحواسّ الذي هو ملاقاة المطعم والمشرب، وملاقاة الصوت المطرب واللّون المونق، والملمسة الليّنة من السرور بنفاذ الأمر والنّهي، وبجواز التوقيع، وبما يوجب الخاتم من الطاعة ويلزم من الحجّة؟!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت