[من روائع الأبحاث القيمة والنفيسة]
(1) بَابُ التَّشَبُّهِ بِالمَلَائِكَةِ عَلَيْهِم السَّلَام
للعلَّامة/ نجم الدين الغزي
اعلم أنَّ التَّشبه بالملائكة مشروع لأنَّهم من جملة من أمرنا بطلب الهداية إلى صراطهم في قراءة الفاتحة في قوله تعالى معلِّمًا لنا: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [سورة الفاتحة: 6، 7] ، كما تقدم عن ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما.
ولعموم قوله - صلى الله عليه وسلم:"مَنْ تَشَبَّه بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ".
ولأنَّه قد ورد:"تَخَلَّقُوْا بِأَخْلاقِ اللهِ تَعَالَىْ"مع شدَّة المباينة بينه وبين خلقه، فجواز التخلق بأخلاق الملائكة عليهم السَّلام والتَّشبه بهم أولى.
ولقد عاب الله تعالى إبليس الرَّجيم بتأخره عن التَّشبه بالملائكة عليهم السَّلام، وعاتبه على ذلك، ووبخه به، ولعنه بسببه - خصوصاً حين اعتذر عنه بما في رأيه القاصر -، فقال تعالى: فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (31) قَالَ يَا إِبْلِيسُ
مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (32) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (33) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ [سورة الحجر: 30 - 35] .
أخرجه من جنته حين باين أهل حضرته، وفارقهم، ثمَّ رجمه ولعنه.
وحقيقة الرَّجم واللعن الإبعاد عن رحمة الله تعالى؛ لأنَّه بالغ في البعد عن أهل القربة والزلفة بتبرئته من عملهم، وتقبيحه حالهم، فبولغ في إبعاده، وأُبِّدت لعنته.
وقد رغب آدم عليه السَّلام في التَّشبه بالملائكة حين حدَّثه إبليس أن أكل الشجرة يلحقه بالملائكة، فكان ذلك هو الدَّاعي له على أكل الشجرة، كما قال تعالى: {وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} [سورة الأعراف: 20، 21] .