[من روائع الأبحاث]
(فصل: من التضمين النحوي في السورة الكريمة)
(سورة الأنبياء)
(أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ(3)
فعل (أتى) يتعدى بنفسه ويتعدى بحرف، ويجيء لازما، ويختلف معناه حسب سياقه، فمن عزله عن تركيبه الذي ورد فيه، ووقف على مدلوله اللغوي منفردا، وانصرف عن تأثيره في جواره وتأثره، وأغفل معاني الأسلوب ومغازي التركيب، منصرفا عن ديباجته غير مكترث بعبارته، فعندها تندرس بصماته، وتضيع على المتفرس ملامح وجهه، فكيف عند رسومه الميتة نطلب تفجير ماء الحياة؟! فالتركيب يعطيه شخصيته، ويكشف عن مراده.
ففي مجيئه لازما: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ) أي دنا واقترب.
(وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي) أي يظهر. أو يخرج وفي تعديته: (تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ) أي تعطيه.
(وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى) أي يؤدونها.
(أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ) أي تلوطون.
(أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ) و (وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ) أي تمارسون.
(فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ) أي هذمه.
(وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا) أي ادخلوها.
(أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا) أي يفاجئهم.
(وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ) أي يستقبله.
وهكذا يتلفت لفظ (أتى) على مسرح هذه التراكيب وفي مناحيها ليطلب لنفسه المعنى الذي يناسبه ويستسيغه، ويُجلي عن خفي معناه.
لنستعرض بعض أقوال المفسرين:
قوله تعالى: (أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ) : تضمن إتيان السحر معنى اتباعه كما ذكر الجلالين أو حضوره كما ذكر الزمخشري أو قبوله كما ذكر الطبري، والبروسوي.