ومن لطائف ونكات تفسير الشوكاني:
سورة الأنبياء
(لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ(39)
وَتَخْصِيصُ الْوُجُوهِ وَالظُّهُورِ بالذكر بمعنى الأمام وَالْخَلْفِ لِكَوْنِهِمَا أَشْهَرَ الْجَوَانِبِ فِي اسْتِلْزَامِ الْإِحَاطَةِ بِهَا لِلْإِحَاطَةِ بِالْكُلِّ بِحَيْثُ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى دَفْعِهَا مِنْ جَانِبٍ مِنْ جَوَانِبِهِمْ.
(وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ(91)
وَهِيَ مَرْيَمُ، فَإِنَّهَا أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَلَمْ يَمْسَسْهَا بَشَرٌ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا مَعَ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْهُمْ، لِأَجْلِ ذِكْرِ عِيسَى، وَمَا فِي ذِكْرِ قِصَّتِهَا مِنَ الْآيَةِ الْبَاهِرَةِ (فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا) أَضَافَ سُبْحَانَهُ الرُّوحَ إِلَيْهِ، وَهُوَ لِلْمَلَكِ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا، وَهُوَ يُرِيدُ رُوحَ عِيسَى وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ قال الزجّاج: الآية فيهما وَاحِدَةٌ لِأَنَّهَا وَلَدَتْهُ مِنْ غَيْرِ فَحْلٍ.
وَقِيلَ: إِنَّ التَّقْدِيرَ عَلَى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ: وَجَعَلْنَاهَا آيَةً وَجَعَلْنَا ابْنَهَا آيَةً، كَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ)
وَالْمَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ قِصَّتَهُمَا آيَةً تَامَّةً مَعَ تَكَاثُرِ آيَاتِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْآيَةِ الْجِنْسَ الشَّامِلَ، لِمَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ الْآيَاتِ، وَمَعْنَى أَحْصَنَتْ: عَفَّتْ فَامْتَنَعَتْ مِنَ الْفَاحِشَةِ وَغَيْرِهَا.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْفَرْجِ جَيْبُ الْقَمِيصِ أَيْ: أَنَّهَا طَاهِرَةُ الْأَثْوَابِ، وَقَدْ مَضَى بَيَانُ مِثْلِ هَذَا فِي سُورَةِ النِّسَاءِ وَمَرْيَمَ.
(لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ(100)
أَيْ: لَا يَسْمَعُ بَعْضُهُمْ زَفِيرَ بَعْضٍ لِشِدَّةِ الْهَوْلِ.
وَقِيلَ: لَا يَسْمَعُونَ شَيْئًا لِأَنَّهُمْ يُحْشَرُونَ صُمًّا، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: (وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا)
وَإِنَّمَا سُلِبُوا السَّمَاعَ لِأَنَّ فِيهِ بَعْضَ تَرَوُّحٍ وَتَأَنُّسٍ.
وَقِيلَ: لَا يَسْمَعُونَ مَا يَسُرُّهُمْ، بَلْ يَسْمَعُونَ مَا يَسُوءُهُمْ.
(يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ...(104)
وَإِنَّمَا خَصَّ أَوَّلَ الْخَلْقِ بِالذِّكْرِ تَصْوِيرًا لِلْإِيجَادِ عَنِ الْعَدَمِ، وَالْمَقْصُودُ بَيَانُ صِحَّةِ الْإِعَادَةِ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْمَبْدَأِ لِشُمُولِ الْإِمْكَانِ الذَّاتِيِّ لَهُمَا. انتهى انتهى {تفسير الشوكاني} ...