(فصل)
قال شمس الدين أبو المظفر (سبط ابن الجوزي) :
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى} [طه: 118] وقد جاع وعري؟
فالجواب: أنه ما جاع وعري في الجنَّة، وإنما كان ذلك في الدُّنيا. والظَّمأ هو العطش {وَلَا تَضْحَى} [طه: 119] أي: تبرز للشمس، والجنَّة ما فيها شمس فيؤذيه حرُّها.
فإن قيل: فهما اثنان، فهلَّا قال: أن لا تجوعا؟
قلنا: غلب المذكَّر على المؤنَّث، لأنَّ نعت آدم كان أكثر، وكذا قوله: {فَتَشْقَى} [طه: 117] كان من حقِّه أن يقول: فتشقيا.
فإن قيل: فما معنى قوله: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} [طه: 121] قلنا: معناه أخطأ وضلَّ ولم ينل مراده، لأنه خالف، والعصيان خلاف الطَّاعة {ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيهِ وَهَدَى (122) } [طه: 122] أي: هداه للتَّوبة، وفَّقه لها.
فإن قيل: فهل يجوز إخراج الضَّيف من دار المضيف؟
فالجواب من وجوه:
أحدها: نعم، إذا ترك الأدب وطمع فيما لا يجوز له.
والثاني: لأنه كان في صلبه الأنبياء والعلماء والأولياء، والجنَّة ليست بدار توالد.
والثالث: لولا نزوله ما تصاعدت صعداء الأنفاس، ولا نزلت رسائل، هل من سائل؟
فإن قيل: فلمَ نهاه عن شجرة بعينها؟
قلنا: لأنَّه كان لها ثُفْلٌ، فإذا أكل منها احتاج إلى البول والغائط، وليست الجنَّة موضعه، وقد ذكرناه.
فإن قيل: بماذا عاقب الله آدم وحوَّاء [1] ؟
قلنا: عاقب آدم بأشياء منها:
العتاب {أَلَمْ أَنْهَكُمَا} [الأعراف: 22] .
والثانية: بإبداء السوءة {فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا} [طه: 121] .
والثالثة: بإخراجهما من جواره {فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} [البقرة: 36] .
والرابعة: بإظهار العداوة له {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [البقرة: 36] .
والخامسة: بإلزامه اسم العصيان {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} [طه: 121] .
والسادسة: بتسليط الشيطان على أولاده {وَأَجْلِبْ عَلَيهِمْ بِخَيلِكَ وَرَجِلِكَ} [الإسراء: 64] .
والسابعة: بالهموم والأحزان، ومنه قوله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} [البلد: 4] أي: في هَمٍّ ونَصَب.
والثامنة: بما لقي من المشقَّات.
والتاسعة: بطول بكائه.
والعاشرة: بحزنه على هابيل ولده.
[1] لفظ العقوبة لا يليق بآدم عليه السلام، والواجب مراعاة الأدب مع الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ....