{وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ}
قوله: {عَنَتِ} أي ذلت وخضعت. تقول العرب: عنا يعنو عنواً وعناء: إذ ذلك وخضع، وخشع. ومنه قيل للأسير عان. لذله وخضوعه لمن أسره. ومنه قول أمية بن أبي الصلت الثقفي:
مليك على عرش السماء مهيمن ... لعزته تعنو الوجوه وتسجد
وقوله أيضاً:
وعنا له وجهي وخلقي كله ... في الساجدين لوجهه مشكوراً
واعلم أن العلماء اختلفوا في هذه الآية الكريمة، فقال بعضهم: المراد بالوجوه التي ذلت وخشعت للحي القيوم: وجوه العصا خاصة وذلك يوم القيامة: وأسند الذل والخشوع لوجوههم، لأن الوجه تظهر فيه آثار الذل والخشوع. ومما يدل على هذا المعنى من الآيات القرآنية قوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الذين كَفَرُواْ} [الملك: 27] الآية، وقوله: {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ} [القيامة: 24 - 25] ، وقوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ تصلى نَاراً حَامِيَةً} [الغاشية: 2 - 4] ، وعلى هذا القول انتصر الزمخشري واستدل له ببعض الآيات المذكورة.
وقال بعض العلماء {وَعَنَتِ الوجوه} : أي ذلت وخضعت وجوه المؤمنين لله في دار الدنيا، وذلك بالسجود والركوع. وظاهر القرآن يدل على أن المراد الذل والخضوع لله يوم القيامة، لأن السياق في يوم القيامة، وكل الخلائق تظهر عليهم في ذلك اليوم علامات الذل والخضوع لله جل وعلا.