{قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا}
لما رأى موسى السحرة أراد أنْ يُحذِّرهم مِمَّا هم مُقبِلون عليه، وأنْ يعطيهم المناهي التي تمنعهم، فذكَّرهم بأن لهم رباً سيحاسبهم كما تقول لشخص، تراه مُقْدِماً على جريمة، لو فعلتَ كذا سأُبلغ عنك الشرطة، وستُعاقب بكذا وكذا، وتُذكّره بعاقبة جريمته.
{لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى الله كَذِباً} [طه: 61] افترى أي: جاء بالفِرْية، وهي تعمُّد الكذب {فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ} [طه: 61] يعني: يستأصلكم بعذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة {وَقَدْ خَابَ مَنِ افترى} [طه: 61] أي: خسر.
ثم يقول الحق سبحانه: {فتنازعوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ}
يبدو أن تخويفَ موسى لهم بقوله: {وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى الله كَذِباً فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ} [طه: 61] قد أثَّر فيهم وأخافهم {فتنازعوا أَمْرَهُمْ} [طه: 62] أخذوا يتساومون القَوْل ويتبادلون الآراء.
{وَأَسَرُّواْ النجوى} [طه: 62] تحدثوا سِراً، وهذا دليل خوفهم من كلام موسى، ودليل ما فيهم من استعداد للخير، لكن انتهى رأيهم إلى الاستمرار في الشوط إلى آخره.
{قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا}
توقف العلماء طويلاً حول هذه الآية، لأن فيها قراءتين (إنْ هذان) بسكون (إنْ) والأخرى (إنَّ هذان) بالتشديد.
والقراءة التي نحن عليها قراءة حفص {إِنْ هذان لَسَاحِرَانِ} [طه: 63] و (إنْ) شرطية إنْ دخلت على الفعل، كما نقول: إنْ زارني زيد أكرمته، وتأتي نافية بمعنى ما، كما في قوله تعالى: {الذين يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللائي وَلَدْنَهُمْ} [المجادلة: 2] .