قال - عليه الرحمة:
{اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (24) }
بعدما أسمعه كلامه من غير واسطة، وشَرَّفَ مقامَه، وأَجْزَلَ إكرامَه أَمَرَه بالذهاب ليدعوَ فرعونَ إلى الله - مع عِلْمِه بأنه لا يؤمن ولا يجيب ولا يسمع ولا يَعْرِف - فشَقَّ على موسى ذهابُه إلى فرعون، وسماعُ جْحدِه منه، بعد ما سمع من الله كلامه سبحانه، ولكنه آثر أَمْرَ محنته على مرادِ نفسه.
ويقال لمَّا أَمَرَه بالذهاب إلى فرعونَ سأل اللَّهَ أُهْبَةَ النَّقْلِ وما به يتمُّ تبليغ ما حمل من الرسالة، ومن ذلك قوله:
{قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) }
ليُعْلَمَ أَنَّ مِنْ شَرْطِ التكليفِ التَّمَكُّنَ مِنْ اَداءِ المأمور به.
ويقال إن موسى لما أَخَذَ في المخاطبة مع الله كاد لا يسكت من كثرة ما سأله فظل يدعو: {رَبِّ اشْرَحْ لِى صَدْرِى وَيَسِّرْ لِىَ أَمْرِى .... } وهكذا إلى آخر الآيات والأسئلة.
قوله: {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِى صَدْرِى وَيَسِّرْ لِى أَمْرِى} : حتى أُطِيقَ أنْ أَسمعَ كلامَ غيرك بعدما سَمِعْتُ منك {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِسَانِى} : حتى ينطلقَ بمخاطبة غيرك، وقَوِّني حتى أرُدُّ ... بِكَ لا بي.
{وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) }
سَأَلَ أنْ يَصْحَبَ أخاه معه، ولما ذهب لسماع كلام الله حين قال تعالى: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً} [الأعراف: 143] كان بمفرده، لأن الذهاب إلى الخَلْق يوجِب الوحشةَ؛ فَطَلَبَ من أخيه الصحبة ليُخَفِّفَ عليه كلفة المشقة.
ويقال إن المحبةَ توجِبُ التجرُّدَ والانفراد وألا يكونَ للغيرِ مع المحبِّ مساغ؛ ففي ذهابه إلى فرعون استصحب أخاه، ولمَّا كان الذهابُ إلى الميقاتِ لم يكن للغيرِ سيلٌ إلى صحبته، إذ كان المقصود من ذهابِه أن يكونَ مخصوصاً بحاله.