[من روائع الأبحاث]
(فصل: من التضمين النحوي في السورة الكريمة)
(خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى(21)
قال الزمخشري: يجوز ألا ينتصب (سيرتها) على الظرف أي سنعيدها في سيرتها، أو يكون أعاد من عاده بمعنى عاد إليه فيتعدى إلى مفعولين. ووجه ثالث أن يكون (سنعيدها) مستقلا بنفسه غير متعلق بسيرتها، أي سنعيدها كما أنشأناها أولاً، ونصب سيرتها بفعل مُضمر أي تسير سيرتها يعني سنعيدها
سائرة سيرتها الأولى: عصاً يتوكأ عليها. وقال أبو حيان: سيرتها بدل اشتمال من الضمير المنصوب في (سنعيدها) .
وقال أبو السعود: منصوب على نزع الخافض أي: إلى سيرتها، أو على الظرفية: سنعيدها في طريقتها، أو تقدير حال من المفعول: نعيدها عصا تسير سيرتها الأولى.
وقال البيضاوي: انتصب على نزع الخافض، ويكرر مقالة من سبق. ومثله كرر الجمل والبروسوي.
أقول: المشهد يبرز القدرة في صورة بصرية - حية تسعى - وفي صورة غير مبصرة حين يسري الإيمان في قلوب الكفار فيُحييهم فإذا هم مؤمنون.
ويتم التنسيق بين الخوف الذي ينتاب موسى عليه السلام وبين الطمأنينة التي يسكبها ربنا على قلبه، فيلتقط الحية وهي تسعى فترتد عصا من جديد، تتحول بقدرته سبحانه، كما يسلب الإيمان من قلوب بعض المؤمنين فإذا هم كافرون.
لقد منحها الحياة فدبَّت وسعت لتشهد بقدرته ثم ردها سيرتها في سلب الحياة
لتشهد بقدرته أيضاً. وبهذا يغنينا التضمين في (رد) عن العديد من التأويلات النحوية في النصب على الظرفية أو نزع الخافض أو بدل الاشتمال أو المفعول بفعل محذوف ... مما يجفف منابع الجمال في النص والتي كشف فيها التضمين عن سر المعجزة في تعبيره المعجز - سنعيدها - سنردها سيرتها الأولى، وصور الرد وإعادة التكوين كثيرة لا تحصى، تُثري النصَّ بمعانٍ تجاوبت بها جنبات الوجود حين أنهى اللَّه إلى عبده أصول التوحيد وكلياته بقوله سنعيدها: سنردها، لقد كشف عن سر المعجزة في نشأة التكوين وإعادته في هذه الكلمة، لأن إعادة التكوين كالتكوين أو أيسر منه، وكلا اللفظين (رد وأعاد) موْنس لأخيه لا يخرج عن فصيلته. ويبقى التضمين في هذه اللغة الشريفة مظهر وحي ومصدر إثراء كالزهر في نفحاته والطل في أندائه، أما لماذا آثر لفظ الإعادة على الرد؟ لعل في هذا الأخير ما ليس في عديله من ظهور المعجزة في التكوين وإعادة التكوين.