وقال الدكتور/ محمد أبو موسى:
{إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) }
وقد يكون داعي التوكيد هو رغبة المتكلم في تقوية مضمون الكلام عند المخاطب، وتقريره في نفسه، وإن كان غير منكر له، كقوله - تعالى - في مخاطبة النبي - صلى الله عليه وسلم -: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا} ، وقوله: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) }
وقوله: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ، وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ، فالمخاطب صلى الله عليه وسلم ليس في نفسه إثارة شك في هذا، ولكن التوكيد يهدف إلى زيادة تقرير المعنى في نفسه - صلى الله عليه وسلم - حتى يبلغ به عين اليقين، وفيه تعهد الإيمان الراسخ في يقينه - صلى الله عليه وسلم - ، حتى ينهض بأثقال الدعوة، وهذا توجيه واضح لحملة الرسالة من بعده - صلى الله عليه وسلم، وأنهم في حاجة مستمرة إلى أن يعودوا إلى دواخل نفوسهم يزكون إيمانهم، ويطهرون يقينهم مما قد يعلق به من عوائد الجاهلية؛ لتظل قلوبهم نبعًا طاهرًا يمدهم بالثبات، والإيمان في المواجهات العنيدة بينهم، وبين ضلالات العصور، وظلمات المادة.
{وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18) }
قالوا: وقد يذكر المسند إليه رغبة في طول مقام الحديث حين يكون مع من تحب، أو كما قالوا: إرادة بسط الكلام حيث الإصغاء المطلوب، ومنه قوله تعالى حكاية عن سيدنا موسى عليه السلام وقد سأله المولى، وهو بكل شيء علم: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى} ؟ فأجاب: {هِيَ عَصَايَ (18) }
ولم يقل عصاي كما يكون في مثله؛ لأنه يريد بسط الحديث، وطول مقام المتكلم في حضرة ذي الجلال؛ لأنه تشريف ما بعده تشريف، ولهذا أخذ يتحدث عن عصاه، ويذكر مالا يقتضيه السؤال استرسالًا منه في سوق
الحديث فقال: {أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} .