وقد سأله سبحانه، وهو بكل شيء عليم؛ لأنه أراد لفته إلى العصا حتى يتبينها، ويعرف أنها ليست إلا عصا يتوكأ عليها، ويهش بها على غنمه، فهي يابسة جامدة حالها كحال كل العصى، فإذا تلقى الأمر بإلقائها، وألقاها ورآها حية تسعى، كان ذلك أبين في بطلان قانونها، وإحالتها عن وصفها بخلق الحياة والحركة فيها، وهذه هي آية الألوهية ومعجزة النبوة، وينبغي أن نذكر بقولهم"البلاغة والإيجاز"، وبما في طبيعة هذه اللغة من ميل إلى التركيز في الصياغة، والتعبير لتؤكد مرة ثانية أنه إذا لم يكن هناك داع قوي يدعو إلى الذكر، فإنه يكون خطرا على الأسلوب، وبلاغته سواء في ذلك الشعر وغيره، فهو مسلك دقيق يوشك أن يكون غير سبيل البلاغة، ولهذا لم يسلم من عثراته إلا حصيف مهدي بفطرة قوية، وحس يقظ.
{فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (67) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (68) }
ومما هو واضح في إفادة الاختصاص قوله تعالى: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (67) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى}
أي أنت الأعلى لا هم، وانظر إلى دقة التعبير عن حال موسى عليه السلام، وكيف استطاعت كلمة أوجس أن تصور في دقة بارعة هواجس الخوف التي انبثت فجأة في نفس نبي الله موسى عليه السلام لما رأى حبالهم وعصيهم، وخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، ثم كيف جاء وعد الله له بالغلبة، والفوز المستعلي عليهم مؤكدا بما ترى من أداة التوكيد، وتكرار المسند إليه، وتعريف المسند باللام، وصياغته على طريقة أفعل المشيرة إلى التفوق، ثم كيف جاءت كلمة الأعلى من العلو حتى ينهض بهذه النفس التي استشعرت الوجل في موقف التحدي الجامع الذي كان يوم الزينة، وفيه محشر هائل من الناس، وهكذا استطاعت هذه الجملة: إنك أنت الأعلى، أن تبث السكينة والأمن في نفس موسى عليه السلام.
(فائدة)
أكد قوله: {إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى} بجملة من التوكيدات كما قال البلاغيون، ليزل وحشة نفسه في هذا المقام، وإن كان موسى عليه السلام مستوثق اليقين من وعد ربه.
{فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (78) }
وقد تفيد الصلة معنى التفخيم والتهويل لما فيها من إبهام وغموض، وذلك كقوله تعالى: {فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (78) }
فالصلة تفيد أن الذي غشيهم أمر مبهم أمره في الهول والشدة. انتهى انتهى {خصائص التراكيب، للدكتور/ محمد أبو موسى} ...