(فائدة)
قال القاضي عياض:
وَقَوْلُهُ تعالى في قصة موسى - عليه السلام -: «وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً» أَيِ ابْتَلَيْنَاكَ ابْتِلَاءً بَعْدَ ابْتِلَاءٍ.
قِيلَ: «فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ وَمَا جَرَى لَهُ مَعَ فِرْعَوْنَ.
وَقِيلَ: «إِلْقَاؤُهُ فِي التَّابُوتِ وَالْيَمِّ» وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَخْلَصْنَاكَ إِخْلَاصًا قَالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: «فَتَنْتَ الْفِضَّةَ فِي النَّارِ» إِذَا خَلَّصْتَهَا. وَأَصْلُ «الْفِتْنَةِ مَعْنًى» الِاخْتِبَارُ وَإِظْهَارُ مَا بَطَنَ إِلَّا أَنَّهُ اسْتُعْمِلَ فِي عُرْفِ الشرع في اختيار أَدَّى إِلَى مَا يُكْرَهُ.
وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ فِي الْخَبَرِ الصَّحِيحِ مِنْ أَنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ جَاءَهُ فَلَطَمَ عَيْنَهُ فَفَقَأَهَا ..
الْحَدِيثَ لَيْسَ فِيهِ ما يحكم على موسى عليه السلام بالتعدي وفعل ما لا يجب .. إِذْ هُوَ ظَاهِرُ الْأَمْرِ، بَيِّنُ الْوَجْهِ، جَائِزُ الْفِعْلِ، لِأَنَّ مُوسَى دَافَعَ عَنْ نَفْسِهِ مَنْ أَتَاهُ لِإِتْلَافِهَا .. وَقَدْ تُصُوِّرَ لَهُ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ، وَلَا يُمْكِنُ أَنَّهُ عَلِمَ حِينَئِذٍ أَنَّهُ ملك الْمَوْتِ، فَدَافَعَهُ عَنْ نَفْسِهِ مُدَافَعَةً. أَدَّتْ إِلَى ذَهَابِ عَيْنِ تِلْكَ الصُّورَةِ الَّتِي تُصُوِّرَ لَهُ فِيهَا الْمَلَكُ، امْتِحَانًا مِنَ اللَّهِ، فَلَمَّا جَاءَهُ بَعْدُ وَأَعْلَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ رَسُولُهُ إِلَيْهِ استسلم.
وللمتقدمين وللمتأخرين عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ أَجْوِبَةٌ. هَذَا أَسَدُّهَا عِنْدِي، وَهُوَ تَأْوِيلُ شَيْخِنَا الْإِمَامِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْمَازِرِيِّ.
وَقَدْ تَأَوَّلَهُ قَدِيمًا ابْنُ عَائِشَةَ وَغَيْرُهُ عَلَى صَكِّهِ وَلَطْمِهِ بِالْحُجَّةِ وَفَقْءِ عَيْنِ حُجَّتِهِ، وَهُوَ كَلَامٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي هَذَا الْبَابِ فِي اللغة ومعروف. انتهى انتهى {الشفا، للقاضي عياض} ...