{قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ ... (72) }
(موعظة)
لا تنس العناية بالسحرة جاءوا يحاربونه ويحاربون رسله وخلع الصلح قد فصلت وتيجان الرضى قد وضعت وشراب الوصال مروق فمدوا أيديهم إلى ما اعتصروا من خمر الهوى فإذا بها قد انقلبت خلا فأقطروا عليه فسكروا بشراب المحبة فلما عربدت عليهم المحبة صلبوا في جذوع النخل. واعجبا لعزمات ما ثناها لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف.
سجدوا له سجدة واحدة فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا منازلهم من الجنة فغلبهم الوجد وتمكن منهم الشوق فقالوا اقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا.
تمر الصبا بساكن ذي الغضا ... ويصدع قلبي أن يهب هبوبها
قريبة عهد بالحبيب وإنما ... هوى كل نفس أين حل حبيبها
قطعت نياق جدهم بادية الليل ولم تجد مس التعب فالطريق إلى المحبوب لا تطول.
بعيد على كسلان أو ذي ملالة ... وأما علي المشتاق فهو قريب
(فَائِدَة)
اللَّذَّة تَابِعَة للمحبة تقوى بقوتها وتضعف بضعفها فَكلما كَانَت الرَّغْبَة فِي المحبوب والشوق إِلَيْهِ أقوى كَانَت اللَّذَّة بالوصول إِلَيْهِ أتم والمحبة والشوق تَابع لمعرفته وَالْعلم بِهِ فَكلما كَانَ الْعلم بِهِ أتم كَانَت محبته أكمل فَإِذا رَجَعَ كَمَال النَّعيم فِي الْآخِرَة وَكَمَال اللَّذَّة إِلَى الْعلم وَالْحب فَمن كَانَ يُؤمن بِاللَّه وأسمائه وَصِفَاته وَدينه أعرف كَانَ لَهُ أحب وَكَانَت لذته بالوصول إِلَيْهِ مجاورته وَالنَّظَر الي جهه وَسَمَاع كَلَامه أتم وكل لَذَّة ونعيم وسرور وبهجة بِالْإِضَافَة إِلَى ذَلِك كقطرة فِي بَحر فَكيف يُؤثر من لَهُ عقل لَذَّة ضَعِيفَة قَصِيرَة مشوبة بالآلام على لَذَّة عَظِيمَة دائمة أَبَد الآباد وَكَمَال العَبْد بِحَسب هَاتين القوتين الْعلم وَالْحب وَأفضل الْعلم الْعلم بِاللَّه وَأَعْلَى الْحبّ الْحبّ لَهُ وأكمل اللَّذَّة بحسبهما وَالله الْمُسْتَعَان.
(فَائِدَة جليلة)
إِنَّمَا يجد الْمَشَقَّة فِي ترك المألوفات والعوائد من تَركهَا لغير الله، فَأَما من تَركهَا صَادِقا مخلصا من قلبه لله فإنه لَا يجد فِي تَركهَا مشقة إِلَّا فِي أول وهلة ليمتحن أصادق هُوَ فِي تَركهَا أم كَاذِب، فإن صَبر على تِلْكَ الْمَشَقَّة قَلِيلا استحالت لَذَّة