{قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (36) }
سُؤْل: أي: الشيء المسئول مثل (خُبز) أي: مخبوز، فالمراد: أعطيناك ما سألتَ، بل وأعطيناك قبل أن تسأل، بل وقبل أن تعرف كيف تسأل: {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أخرى}
(مّننا) من المنة، وهي العطاء بلا مقابل على خلاف الجزاء، وهو العطاء مقابل عمل {مَرَّةً أخرى} [طه: 37] إذن: هناك مرة أولى، لكن المراد بالمنّة هنا ما حدث من الوحي إلى أم موسى وهو صغير، فهي في الحقيقة المنّة الأولى إنما قال هنا {مَرَّةً أخرى} [طه: 37] هذا ترتيب ذكري حَسْب ذِكْر الأحداث.
فمتى كانت هذه المنّة؟
{إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38) }
إذ: يعني وقت أنْ أوحينا إلى أمك ما يُوحَى. فكانت هذه هي المنة الأولى عليك حين وُلدت في عام، يقتل فيه فرعون الذكور، فمنَّنا عليك لما قلنا لأمك: {فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليم وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تحزني إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المرسلين} [القصص: 7] .
ومعنى {مَا يوحى} [طه: 38] أي: أمراً عظيماً لك أن تقدره أنت فتذهب فيها نفسك كل مذهب، كما جاء في قوله تعالى: {فَغَشِيَهُمْ مِّنَ اليم مَا غَشِيَهُمْ} [طه: 78] ويُفصِّل الحق سبحانه هذا الوحي لأم موسى، فيقول تعالى: {أَنِ اقذفيه فِي التابوت}
هذا ما أوحينا به إلى أم موسى.
واليمُّ: البحر الكبير، سواء أكان مالحاً أم عَذْباً، فلما تكلّم الحق سبحانه عن فرعون قال: {فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي اليم} [الأعراف: 136] والمراد: البحر الأحمر، أما موسى فقد وُلِد في مصر وأُلْقِي تابوته في النيل، وكان على النيل قصر فرعون.
وبالله. . أي أم هذه التي تُصدِّق هذه الكلام: إنْ خِفْتِ على ولدك فألقيه في اليم؟ وكيف يمكن لها أن تنقذه من هلاك مظنون وترمي به في هلاك مُتيقّن؟