ومن لطائف ونكات تفسير السمعاني:
وَقَوله: {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ}
رُوِيَ أَن مُوسَى لما سمع قَوْله: {يَا مُوسَى} قَالَ: من الَّذِي يكلمني؟ قَالَ: {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ} .
«فإنْ قيلَ» : بِمَ عرف كَلَام الله عز وَعلا؟
قُلْنَا: سمع كلَاما لَا يشبه كَلَام المخلوقين، وَرُوِيَ أَنه سمع من جَمِيع جوانبه.
قَوْله تَعَالَى: {إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا}
فِي الْآيَة أَقْوَال، وَهِي مشكلة.
رُوِيَ عَن عبد الله بن مَسْعُود، وَأبي بن كَعْب أَنَّهُمَا قرآ:"أكاد أخفيها من نَفسِي". وَبَعْضهمْ نقل:"فَكيف أظهرها لكم"فَهَذَا هُوَ أحد الْأَقْوَال فِي معنى الْآيَة.
«فَإِن قَالَ قَائِل» : كَيفَ يَسْتَقِيم قَوْله"أكاد أخفيها من نَفسِي"؟
قُلْنَا: هَذَا على عَادَة الْعَرَب، وَالْعرب إِذا بالغت فِي الْإِخْبَار عَن إخفاء الشَّيْء، قَالَت: كتمته حَتَّى من نَفسِي.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن قَوْله: {أكاد} أَي: أُرِيد، وَمَعْنَاهُ: إِن السَّاعَة آتِيَة أُرِيد أخفيها. وَهَذَا قَول الْأَخْفَش.
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن قَوْله: {أكاد} صلَة، وَمَعْنَاهُ: إِن السَّاعَة آتِيَة أخفيها.
وَالْقَوْل الرَّابِع: إِن السَّاعَة آتِيَة أكاد، وَمعنى أكاد: تقريب الْوُرُود والإتيان، كَمَا قَالَ ضبائي البرجمي:
(هَمَمْت وَلم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عُثْمَان تبْكي حلائله)
فَقَوله: كدت لتقريب الْفِعْل، ثمَّ اسْتَأْنف قَوْله: {أخفيها لتجزى كل نفس بِمَا تسْعَى}
أَي: تَأْتيكُمْ بَغْتَة، لتجزى كل نفس بِمَا عملت من خير وَشر، هَذَا اختيار ابْن الْأَنْبَارِي.
وَالْقَوْل الْخَامِس: {أكاد أخفيها} أَي: أظهرها، وَقُرِئَ:"أَخفيها"بِفَتْح الْألف.
وَمعنى الْإِظْهَار فِي هَذِه الْقِرَاءَة أظهر فِي اللُّغَة. قَالَ الشَّاعِر:
(فَإِن تدفنوا الدَّاء لم نخفه ... وَإِن تأذنوا بِحَرب لَا نقعد)
وَمعنى لَم نخفه: لم نظهره.
قَوْله تَعَالَى: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39) }
«فإنْ قيلَ» : مَا من أحد فِي الْعَالم إِلَّا وَهُوَ يربى وَيغدى بمرأى من الله وَنظر مِنْهُ، فَأَي معنى لتخصيص مُوسَى؟
وَالْجَوَاب: أَن الله تَعَالَى فعل فِي اللطف فِي تربية مُوسَى مَا لم يفعل فِي تربية غَيره، فالتخصيص إِشَارَة إِلَى ذَلِك اللطف.
قَوله: {لَعَلَّه يتَذَكَّر أَو يخْشَى}